الرئيسية | موسيقى | دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية IV | محمد العفو

دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية IV | محمد العفو

محمد العفو

ناقد موسيقي و باحث في الفلسفة

فلسفة و موسيقا:

يقول فولفغانغ زاندنر، خبير فاغنر وناقد موسيقي: ” يوجد ملحنون كبار لم يدخلوا كتب التاريخ، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون الجمالي لابتكاراتهم الجديدة. ربما يكون موزرات الأشهر من بينهم، حيث يمكن اعتباره المكمل والمراقب، و أنه شخصية كلاسيكية تقليدية. إلا أن فاغنر هو المجدد، دون أدنى شك”. فمن أين استمد مضامين “تريستان وإيزولده”؟

في هذه الدراما المؤسسة على موضوع الحب، نجد تقليد صوتي للشبقية. لذلك اعتدنا على أن نصف النظرة الفاغنرية للحب فلسفيا. و قد أخذ بالفعل هذه النظرة على عاتقه عبر رسائله. لكوننا نعلم اهتمامه بشوبنهاور. لقد قرأ ” العالم كإرادة و تمثل” في الوقت الذي تنضج فيه ” تريستان و إيزولده”. و من تم تأمل مفاهيم شوبنهاور: الرغبة في الموت والحب. يمكن إذا الحديث عن تأويل إيستيتيقي لفلسفة شوبنهاور في ” تريستان و إيزولده”.

تعد الموسيقا بالنسبة لشوبنهاور ” التعبير المباشر عن الإرادة ذاتها”. فهل من مفهوم الارادة يمكن مقاربة هذه الدراما فلسفيا؟ لا تنفصل الارادة عن إرادة الحياة، إنها قوة عمياء للحياة. و لذلك فإن الانسان ألعوبة لا واعية لها. و تتأكد الارادة في الحفاظ على النوع من خلال الحب والحاجة الجنسية، أي ” الإثبات النهائي للإرادة”، و هما بمثابة صيغ جوهرية، ولذاك فقدر الإنسان كونه يتألم. و يتمظهر الألم في رغبته المستمرة و عن طريق الحاجة للصراع والبقاء على الحياة. يسعد الانسان بتلبية رغبته لكن يمكن أن يقع في الملل والضج. فالحياة إذا فيها نواس بين الألم والضجر. و هذان العنصران هما ما تتألف منهما الحياة في كليتها. و لكي يتحرر الانسان لا بد له أن يقوم بما أسماه شوبنهاور ” نفي الإرادة”. عندها يدرك الانسان أن الحياة لم تخلق إلا من الآلام. يمكن أن يقبل أن إرادة الحياة هي سبب هذه الألم، و لذلك يقتل هذه الارادة في دواخله بالتزهد، بالطريقة البوذية من جهة و عن طريق النفي من جهة ثانية.

إنها نظرة متشائمة للعالم ترى في الموت، في حد ذاته، الحل الوحيد للعيش في حرية. نجد هذه الرغبة في الموت والنفور من الحياة عند تريستان. فالحب ألم لا يمكن إشباعه، لا يمكن أن يصل إلى غايته اتحاد تريستان – إيزولده.

في مقابل ذلك المحال نعثر على الاتحاد المثالي الذي جاء موسيقيا في الغناء الثنائي في الفصل الثاني. هكذا فإن الرغبة في الموت تعاود الظهور في التخلي عن إرادة الحياة ونفيها. و الحالة هذه، حسب رودلف فيبر Rudolf Weber، إن هذه الرغبة في الموت التي يظهرها تريستان هي أكثر من رد فعل تجاه خيبت الأمل التي تجد جذروها في الحرمان و الرفض.

يدرك تريستان أنه لا يمكن إنهاء حبه لإيزولده، فيرمى نفسه على سيف ملو. يكتب شوبنهاور في هذا الصدد: ” بعيدا عن يكون الانتحار نفيا للحياة، فهو علامة على تأكيد حاد للإرادة. لأن نفي الارادة يشمل، ليس رعبنا من آلام الحياة، و لكن كره ما فيها من تلذذ. إن الذي يرغب في الموت يريد الحياة، ليس مستاء إلا تحث ظل الظروف التي تكون فيها الحياة فاشلة”.

يعرف تريستان الفرج في اللحظة التي تظهر فيها إيزولده. في حال أن التزهد يسمح بتضحية شوبنهاورية أو نفي للحياة، يمكن لتريستان أن يكون مختلفا أمام قدوم إيزولده وأمام لحن الراعي في الفصل الثالث. لكن الدراما لم تترجم الفكرة الأساسية لشوبنهاور، لأن فاغنر يعبر عن موت حب (Liebestod و ليس موت الحب ( التزهد، نفي الارادة).

و خلاصة القول، إن العناصر النظرية التي عكف فاغنر على تأويلها جماليا أفضت إلى تطبيق مفاهيم فلسفية موسيقيا. لكن من ناحية أخر، مكنت “تريستان و إيزولده” من أن تكون الأكثر إبداعا و تجديدا جذريا في عالم الهارموني. إن هذه التحفة أكثر راديكالية من بين تحف فاغنر.

انتهى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*