الرئيسية | ترجمة | حوار مع القاصّ الأرجنتيني مارتين غارديلا | ترجمة: الحسن أسويق

حوار مع القاصّ الأرجنتيني مارتين غارديلا | ترجمة: الحسن أسويق

ولد مارتين غارديّا في لا بْلاتا؛ مقاطعة تابعة للعاصمة بوينس آيرس عام 1973. كاتب ومحام وأستاذ جامعي. نشر العديد من الكتب في القصة القصيرة جداً من بينها: لقطات خاطفة (أندروميدا، 2010)، والأطفال يكبرون (مقدونيا ، 2015) وحلويات للتذوّق: قصص قصيرة جداً  للقراءة  أثناء فترة استجمام (مرحباً يا أطفال ، 2016). أدرجت قصصه وقصصه القصيرة جداً ضمن عدة أنطولوجيات. إلى جانب هذا يعتبر مارتين غارديّا  أحد مؤسسي لجنة تحرير المجلة الالكترونية  الدولية Microcuentista ، كما يشرف على البرنامج الإذاعي الخاص بالقصّ القصير جداً: “حياة خارج الزمن”.

 

سؤال:  كيف تعرّف القصّ القصير جداً؟

 جواب: التعريف الشائع لدى أغلب الناس هو أن القصّ القصير جداً  microficción عبارة عن نص غاية في القصر. لكنني  لا أعتقد أن القصر هو ما يشكل العنصر المميز لهذا الجنس عن الأجناس الأخرى. يتعلق الأمر بموضوع  لنقاش متواصل، خاصة في أوساط الأكاديميين،  بحثاً عن التوصل إلى توافق. بالنسبة إلي، يبدو لي أن ما يميز القصّ القصير جداً  هو الشكل الذي يكتب به هذا الجنس، ويتميز على وجه التخصيص  باستعمال وتوظيف لحظات الصمت؛ إننا بإزاء  قصّ يضمر أكثر مما يظهر، بحيث أن ما يختمر في رأس القارئ أكثر مما قد قد يعبر عنه  الكاتب. إن الأفكار التي يقدمها الكاتب يمكن أن تُكمّل  بطرق وصيغ مختلفة يساهم فيها القارئ إلى أبعد حدّ. ثمة تقنيات وحيل معروفة وكثيرة الاستعمال  كالتنّاص؛ لذلك نجد أن هناك عدة قصص قصيرة جداً موضوعها شخصيات أدبية كلاسيكية. إن القصر والاختصار يتطلبان الأخذ بعين الاعتبار موسوعية القارئ، والاستعانة بالمعارف المكتسبة  والمتحصلة  لدى الكاتب، ومن ثمة، يمكن توظيف شخصيات أدبية معروفة في عملية القصّ. إحدى الخصائص المميزة لهذا الجنس أيضاً هو أنه لا لزوم  لتعريف شخوص القصة تعريفاً مفصلاً. لا أهمية هنا للتفاصيل الوصفية.

سؤال: هل معنى هذا أن ما يميز هذا الجنس هو الإيجاز؟

جواب: نعم. نحن بصدد جنس يتطلب تكثيف المعنى ومحاولة قول الكثير بأقل عدد من الكلمات، وكذا الحرص على تجنب الكلمات المجانية؛ لأن كلمة واحدة زائدة قد تنسف مفعول النص ككل. تقنية أخرى هي استعمال “اللواحق النصية” التي تمكّن من اللعب والتحكم في النص بأشكال وطرق مختلفة. ينطبق هذا على تحديداً على حالة  هذا نالص للويزا فلنسويلا  Luisa Valenzuela: “متعة الهلال عند التاسعة صباحاً في مقهى قديم في حي شعبي حيث كان رودولفو موندولفو ما يزال يجتمع في سنوات السبعة والثمانون مع أصدقائه زوالاً كل يوم  أربعاء”. إن اللحمة النصية  في هذه القصة القصيرة جداً هو ” يا للروعة”.

سؤال:  فيما يتصل بخصائص هذا الجنس،سبق لراؤول براسْكا أن أشار إلى أنه يجب البحث عن “عنصر نوعي مؤثر” من أجل مفاجأة القارئ.

جواب: أجل. إن الدهشة  تقنية كثيرة الاستعمال أيضاً؛ إذ أن شذّ انتباه القارئ عنصر مهم؛ لأنه في غياب ذلك سيحكم على النص بالنسيان؛ لكن عنصر المفاجأة في الواقع، ليس عنصراً جوهرياً. هناك العديد من القصص القصيرة جداً الناجحة لا أثر فيها للانعطافة المفاجئة. صحيح أن القفلة  المفاجئة  تجلب انتباهنا؛ لكن ثمة أحاجي وحكايات تنتهي بقفلات مفاجئة. في المستملحات أيضاً يمكن أن تفاجئ المتلقي بقفلة تشبه طلقة مفاجئة؛ لكن في القصة القصيرة جداً، وعكس ما يعتقد عادة، فالأمر ليس بهذه البساطة؛  أن تكون القصص  قصصاً قصيرة جداً لا يعني  أنها ليست معقدة.

سؤال: هل الأمر يتعلق بجنس هجين؟ فعلى سبيل المثال يمكن أن يكون للقص القصير جداً  في بعض الحالات نقاط التقاء أيضاً مع الشعر.

جواب: الشعر والقص القصير جداً بلدان متجاوران حيث الحدود  بينهما ليست واضحة بدقة؛ إنها حدود متاخمة. يمكن أن تكون هناك قصص قصيرة جداً كقصائد نثرية بمضمونها الغنائي.  نشير مثلاً إلى  ماريا روسا لوخو Maria Rosa Lojo  المعروفة بشعرها النثري، والتي  قامت بإعادة طبع نصوصها في صيغة قصص قصيرة جداً.  ليست هناك قاعدة عامة لا على المستوى المحلي أو الدولي. لقد تحاورت مع العديد  من الأكاديميين وكتاب القصة القصيرة جداً من بلدان مختلفة من أمريكا اللاتينية ولا أحد من هؤلاء يضع  لها حدوداً حصرية. لهذا يمكن القول إن هذا الجنس “لامُجنّس” (غير قابل للتجنيس)، جنس بدون جنس.

سؤال:  هل تجد أن هناك علاقة بين القص القصير جداً والإيقاع السريع للزمن المعاصر؟

جواب: مع مرور السنوات، تبدلت رؤيتي حول هذا الموضوع. عندما كنت في بداية مشواري مع القص القصير جداً، كنت أعتقد أن أنه هذا الجنس هو المناسب للزمن المعاصر. وقد تبين لي ،فيما بعد، أنني كنت على خطأ؛ لأنه في المكتبات الروايات الطويلة هي الأكثر مبيعاً. ورغم ذلك، أعتقد أنه جنس يتلاءم جيداً مع التكنلوجيات الجديدة، بحيث يمكن قراءته بسهولة على الشاشة وهذا يحقق نوعاً من الدفع نحو الأمام . لكن لا أعتقد أنه يمكن الحديث عن الأوج، لأنه قلة هم الذين يعرفون هذا الجنس، كما أن العناوين التي توجد في المتناول بعدد أقل؛ لأن النسخ التي تطبع من مجموعات القصة القصير جداً عادة ما تكون بأعداد قليلة وتوزيعها جد محدود. وطالما لم يتغير هذا، فلن يحقق هذا الجنس انفجاراً. لهذا أجلت، إلى حد ما، عملي ككاتب لكي أعمل على إشاعة  ونشر هذا الجنس من خلال عملي الإذاعي. ثمة العديد من الكتاب الجدد الذين لا يعرف بعضهم البعض كما أن ثمة غموض كبير يحيط بمجموعة من النصوص التي لا تعرف  إنْ كانت تنتمي فعلاً إلى جنس القص القصير جداً. لا يتعلق الأمر بنفس الشيء عندما يتم الحديث عن القصة القصيرة جداً في الأرجنتين  أو في اسبانيا أو في المكسيك، على سبيل المثال لا الحصر. أعتقد أن القصص القصيرة جداً لها امكانية اكتساح  مجالات أخرى كشبكات التواصل  الاجتماعي والقنوات الاذاعية والجرائد اليومية والمجلات لأنها مجالات  تستوعب بنجاح القصة القصيرة جداً، عكس الأجناس الأخرى كالرواية ، والتي لا يمكن أن تظهر في وسائل التواصل هذه نظراً لطولها.

سؤال: في حوار سابق مع مجلتنا الالكترونية “الحجر الأساس”، أشارت آنا ماريا شووا إلى أن مجتمعنا، بالرغم من عدم توفر الوقت الكافي للقراءة، يفضل قراءة الروايات الطويلة التي لا تتطلب  إلا مجهوداً واحداً لاقتحام العالم الجديد لتلك الروايات، بدل اختيار القصص القصيرة جداً التي تتطلب بذل مجهود أكبر في القراءة لأن كل كل قصة قصيرة جداً تمثل عالماً مختلفاً. ما رأيك في هذا؟

جواب:  نعم. هذا صحيح. أعتقد أن المجهود القرائي يختلف من جنس أدبي لآخر. كتابي الأول الذي يحتوي على 154  قرأها ك بعض القراء دفعة واحدة كما لو أنها وحدة متجانسة؛ لكن دون التمكن حقيقةً من استيعاب  ما تمت قراءته.  تقول آنا شووّا  Ana Shua ،في هذا الاطار، إنه  يجب قراءة أربعة أو خمسة نصوص ثم التوقف عن القراءة قبل استئنافها. أعتقد أن عدم  توفر الوقت أمر لا يقودك بالضرورة إلى القراءات الموجزة ، وهذا ما تشهد عليه عدد الروايات الأكثر مبيعاً كما سبق أن أشرت. من جانب آخر، فإن كتابة قصة قصيرة جداً ليس بالأمر الهيّن. فعلاً، يقول العديد من الروائيين إنهم ليسوا متحمسين للقصّ القصير جداً، لصعوبته القصوى  بالنسبة إليهم. وبالنسبة للعديد من الكتاب، فإنه من قبيل المغامرة  تأليف كتب في جنس دون ضمان بيعها. الأمر يتطلب  الكثير من الحب من أجل تبني هذا الاختيار.

سؤال: أشرت سابقاً إلى أن كتب القصص القصيرة جداً توزيعها توزيع ضعيف. ما هي امكانيات وحظوظ هذا الجنس في سوق النشر مستقبلاً في اعتقادك؟

جواب:  أعتقد أن المستقبل أو الرهان  يوجدان في أسواق أخرى جديدة. وبالرغم من أنني اعتقدت لمدة طويلة  أن القصّ القصير جداً ليس موجهاً لصغار السن لكونه جنساً  يتطلب قارئاً مؤهلاً وقادراً على فهم الإحالات على تقنيات التّناص، فإنني  بدأت أدرك أن هناك نصوصاً كثيرة يمكن أن تكون ناجحة في المستوى التعليمي الابتدائي مثلاً.  في هذا الاطار برزت إلى الوجود مجموعتي القصصية  حلويات للمضغ: قصص قصيرة جداً  للتذوق  أثناء فترة استجمام . إنها المجموعة التي  خصصت لها مجلة  “أهلاً يا أطفال”  افتتاحية خاصة، والتي لاقت نجاحاً للسنة الخامسة أو السادسة على التوالي.  ربما يتعلق الأمر هنا بالسر في إمكانية تحقيق انتشار واسع  للقصة القصيرة جداً، خاصة إذا أصبحت ،كجنس أدبي  مستقل، مكوناً من  مكونات المقرر الدراسي. لقد تحاورت كثيراً مع  العديد من المربين  الذين وافقوني الرأي. هذا طموح قد يتحقق في المستقبل.

سؤال: كيف بدأت كتابة القصص القصيرة جداً؟

جواب: بدأت بكتابة أشياء صغيرة دون أن أعرف ما طبيعتها. مع زميل لي في العمل، أسسنا مجلة داخل الشركة التي نعمل بها وبدأنا ننشر فيها انتاجاتنا الخاصة. في وقت لاحق اقترح زميلي فكرة تنظيم مسابقة للقصص من 50 كلمة. لم ننجح في ذلك. لكنني تمكنت من تحرير نصوص قصيرة قمت بتحميلها على مدونة خاصة حيث نشرتها لاحقاً  كتابي الأول المعنون تحت عنوان”  لقطات خاطفة في عام 2010. كوّننا أيضاً مجموعة تضم عدة كتّاب. وقد كان من ثمارها التعرف عملياً على الموقع  العالمي الخاص بالقصة القصيرة جداً Microcuentista. في البداية، كنا خمسة أعضاء نقوم بتبادل القراءات والملاحظات بخصوص القصص القصيرة جداً التي نبدعها. وعلى خلاف ما يعتقده الكثيرون، فنحن لم نكن مختصين في هذا الجنس، لكننا كنا مجرد شباب طموحين للتعلم والتعريف بهذا الجنس في مواطننا، وتكوين فضاء يجمع كتاباً معروفين وآخرين جدد، ونقاد أدبيين لخلق فرص التداول والمناظرة.

سؤال: نظمتم بتنسيق مع موقع كتّاب القصة القصيرة العالمي الملتقى الأول في بلدكم الأرجنتين…

جواب: نعم. في الأرجنتين كانت الأيام الوطنية للقصة القصيرة جداً تنظم كل عامين. كما كانت هناك لقاءات جامعية تنظمها الجامعات. الجديد في هذا الملتقى الذي تتحدث عنه هو أنه منظم من طرف الكتاب أنفسهم. مع راؤول براسكا Raúl Brasca بحثنا عن مواضيع مهمة اشتغل عليها كتاب كبار يعتبرون بمثابة بمثابة مرجعيات في هذا الجنس بمن فيهم راؤول براسكا نفسه إلى جانب آنا مريا شووّا Ana María Shua و لويزا فنزويلّا Luisa Valenzuela و أوخينيو ماندريني  Eugenio Mandrini. تحدثنا  في هذا الملتقى عن المسارات الابداعية، المختلفة وعن العلاقة بين القصّ القصير جداً والحقل الاجتماعي والتربية وأشياء أخرى من شأنها تعزيز وتطوير هذا الجنس. لقاء حضره ، إلى جانب البيرو والشيل، كتاب من مختلف بقاع العالم.

سؤال: سينعقد خلال هذه السنة أيضاً المؤتمر الدولي التاسع للقصة القصيرة جداً في نيوكين. أليس كذلك؟

جواب: نعم. سينعقد ما بين 26 و 28 من شهر يوليوز بجامعة كوماهو. وهذا المؤتمر الذي سينعقد في هذا الموعد يعد استمراراً  للمؤتمر الذي أُنعقد في كينتوكي بالولايات المتحدة الأمريكية قبل سنتين. الجديد الذي يحمله هذا الفضاء يفتح المجال للكتاب أنفسهم  لتقديم نصوصهم قصد القراءة والتقييم  داخل مجالس القراءة  والمناقشة، بعد أن كانت المؤتمرات التي انعقدت، بعد مؤتمر بوغوتا بدولة كولومبيا في 2010، كلها ذات طابع جامعي محض. أعتقد أن هذا يمنح فرصة  للأصوات الجديدة، كما يشكل لحظة مهمة لمراجعة وتصحيح المعلومات  التي لدى الجامعيين عن كتاب القصة القصيرة جداً.

سؤال: ما هي كتب القصة القصيرة جداً التي تنصح الذين يريدون معرفة هذا الجنس بقراءتها.

جواب: من الصعب اختيار كتب دون أخرى. هناك العديد من الكتاب المشهورين الذين كتبوا القصة القصيرة جداً دون أن يكونوا واعين بذلك. هذا ما ينطبق مثلاً على كافكا Kafka وكرتزار Cortázar ودينوفي Denevi  وبورخيص Borges . ومن بين المعاصرين يمكن أن نذكر راؤول باسكا Raúl Brasca ، وآنا ماريا شووّا Ana Maria Shua ، ولويزا فلنزويلّا Luisa Valenzuela، وأوخينيو ماندريني Eugenio Mandrini .كما توجد أيضاً أنطولوجيات جيدة أيضاً كأنطولوجيا  كلارا أوبليغادو   Clara Obligado ،  وأنطولوجيا “رجاءً إختصرْ بجزأيها الأول  والثاني،  وأنطلوجيات راؤول براسكا  كأنطولوجيا القصة القصيرة والمستترة على وجه الخصوص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجرت الحوار : لاورا فرديل Laura Verdile   بتاريخ: 12 أبريل 2016.

المصدر:

https://www.laprimerapiedra.com.ar/2016/04/entrevista-a-martin-gardella-que-los-microrrelatos-sean-breves-no-significa-que-no-sean-complejos/

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*