الرئيسية | أدب وفن | الفن | سينما | جيمس بوند أسطورة الشرّ من جديد | د. رياض عصمت

جيمس بوند أسطورة الشرّ من جديد | د. رياض عصمت

مَنْ منّا لا يذكر الموسيقى الشهيرة المرافقة لمغامرات بطل الجاسوسية البريطاني العميل 007 جيمس بوند منذ فيلمه الأول «الدكتور نو» (1962) وحتـى فيلمـــــه «SPECTRE سبكتر» (2015)؟ لم يتردّد المخرج سام منديس من استخدام ذلك اللحن بسخاء في فيلم جيمس بوند ذي الرقم 24، على النقيض من أول أفلام النجم دانيال كريغ في دور بوند، «كازينو رويال»، حيث استخدم اللحن مرّة واحدة في آخر الفيلم فقط. «سبكتر» اسم يتردّد في أكثر من فيلم لجيمس بوند. إنها المنظمة السريّة الرهيبة التي تسعى للهيمنة على العالم، وتختزل كل الشرور. في الواقع، يمكننا قياس نجاح أفلام جيمس بوند بنجاح مؤدي دور الشرير فيها، وهو معيار خفي غاب عن أذهان كثيرين ممن شغفواً بفتيات بوند أكثر من أشراره. تميّز فيلم «سكاي فول» (2012) لمخرج «سبكتر» نفسه سام منديس بسبب أداء الإسباني خافيير باردوم دور شرير غريب الأطوار. هنا، تصدّى الممثل النمساوي القدير كريستوف وولتز لدور رئيس منظمة سبكتر، وأضفى حضوره رهبة وإثارة مشابهين.

لا شك في أن جيمس بوند أضحى في أذهان كثيرين شخصية حقيقية عاشت في الواقع فعلاً، مثله في ذلك مثل أساطير عديدة في تاريخ الأدب والفنّ السينمائي، مثل: دون كيشوت، شرلوك هولمز، طرزان، زورو، رامبو، هركول بوارو، إنديانا جونز، ومؤخراً روبرت لانغدون بطل «شيفرة دافنشي». أول من جسّد شخصية بوند على الشاشة الفضية وأفضلهم في نظر كثيرين هو النجم الاسكتلندي شون كونري، الذي جسّد بوند في 6 + 1 من الأفلام، (إذ إن فيلمه الأخير والمتأخر «لا تقل أبداً مرّة أخرى» (1983) أُنتج بصورة غير رسمية). تعتبر أفلام كونري «من روسيا مع حبي» (1963)، «الإصبع الذهبية» (1964)، «أنت تعيش مرّتين فقط» (1967) أفضل أفلامه في دور العميل 007، وقد غطّى حضوره الذكوري الآسر على بطلات أفلامه العديدات من مختلف الأجناس والأعراق، فنسيهم الجمهور وتذكره وحده. أسند دور جيمس بوند بعده إلى ممثل يُدعى جورج ليزنبي في فيلم وحيد عنوانه «في الخدمة السريّة لصاحبة الجلالة» (1969)، لكن النجاح لم يحالفه. ثم جاء النجم روجر مور ليمثل دور العميل 007 في سبعة أفلام، ويصبح أكثر النجوم تجسيداً لشخصية جيمس بوند من ناحية الكم. لا شك في أن روجر مور طوَّر سمات بوند باتجاه أكثر مرحاً وخفة من كونري وصل إلى حَدّ الإضحاك، بحيث إن دعاباته طالت مارغريت تاتشر نفسها. لَعلّ أفضل أفلامه هي «عش ودع غيرك يموت» (1973) مع جين سيمور، «الجاسوسة التي أحبتني» (1977) مع باربارا باخ، «من أجل عينيك فقط» (1981) مع الفرنسية كارول بوكيت، و«أكتوبوسي» (1983) مع مود آدمز، التي ضربت رقماً قياسياً بأدائها دورين مختلفين في فيلمين من أفلام بوند. بدت علائم تقدُّم العمر على كل من مور وكونري معاً، فجيء بالممثل البريطاني الجاد تيموثي دالتون ليلعب دور بوند في فيلمين أولهما «نجوم النهار» (1987) مع الممثلة ميريام دابو، وأتبعه بفيلم «رخصة للقتل» قبل أن يُزاح عن الدور لصالح بيرس بروسنان، الذي رشحه روجر مور نفسه بعد أن وجده الأشبه بمقاربته المرحة لبوند عبر مسلسله «رمنغتون ستيل». مثل الآيرلندي بيرس بروسنان شخصية بوند في أربعة أفلام، أقواها فيلمه الأول «العين الذهبية» (1995) مع إيزابيللا سكوربوكو وشون بين، وإن كانت الثلاثة الباقية ممتعة أيضاً. ثم أعفي فجأة بعد فيلم «مت في يوم آخر»، وجيء بممثل جاد هو دانيال كريغ ليلعب دور بوند الجديد في «كازينو رويال» (2006) من إخراج مارتن كامبل، ويغير جذرياً من معالم الشخصية عن جميع من سبقه، فيجعلها أكثر عنفاً وغير مُنزّهة عن الأخطاء، بحيث صدم الجمهور حين تَمّ خداعه، وحين ألقى بجثة صديق قتيل في حاوية قمامة، وحين لم يأبه لخلطة شراب بوند المفضلة، وحين لم يتردّد لحظة في إطلاق النار على غريمته التي لعبت دورها الحسناء الفرنسية صوفي مارسو. في الواقع، لم تكن صورة بوند الجديدة تلك مفضلة عند عشاقه، فدانيال كريغ أشقر يشبه الرئيس الروسي بوتين، يوحي بالقسوة ولا يُجيد كثيراً المزاح والحب. كما أن مبدع الخدع العجوز «كيو» تَمّ استبداله بعبقري كمبيوتر شاب، واُستبدلت السكرتيرة المخضرمة «مونيبيني» بشابة سمراء فتية، أما رئيس بوند في الاستخبارات البريطانية «م» فسبق أن أسند منذ عهد بيرس بروسنان إلى امرأة لعبت دورها الممثلة الكبيرة جودي دنش، إلى أن توفاها الإنتاج في حبكة «سكاي فول» ليحل محلها في دور «م» الممثل القدير رالف فاينس في «سبكتر» (2015).

أما المخرجون الذين تعاقبوا على إخراج أفلام جيمس بوند، فكان أولهم تيرانس يونغ، الذي أخرج ثلاثة أفلام لشون كونري، أولها «الدكتور نو» وأفضلها «من روسيا مع حبي». ثم غاي هاميلتون، الذي أخرج فيلمين لشون كونري، أفضلهما «الإصبع الذهبية»، وفيلمين آخرين لروجر مور، هما «الرجل ذو المسدس الذهبي» و«عش ودع غيرك يموت». ثم لويس جيلبرت، الذي أخرج فيلماً واحداً لشون كونري هو «أنت تعيش فقط مرّتين»، وفيلمين لروجر مور، أفضلهما «الجاسوسة التي أحبتني». ثم نذكر أغزر مخرجي سلسلة أفلام جيمس بوند، جون غلين، الذي أخرج ثلاثة أفلام لروجر مور، أفضلها «أوكتيبوسي»، وفيلمي تيموثي دالتون الوحيدين. ثم مارتن كامبل، الذي أخرج «العين الذهبية» لبروسنان، و«كازينو رويال» لكريغ. هناك قائمة بمخرجين أخرج كل منهم فيلماً يتيماً فقط من سلسلة أفلام بوند: آرفين كيرشنر، روبرت ر. هانت، روجر سبوتيسوود، مايكل آبتيد، لي تاماهوري، ومارك فورستر مخرج فيلم «قدر من العزاء». أخيراً وليس آخراً، ها هو ذا سام مينديس يخرج فيلمين ناجحين جداً من أفلام جيمس بوند هما: «سكاي فول» و«سبكتر».

يُؤخذ على سلسلة أفلام جيمس بوند بشكلٍ عام أنها – رغم زعم براءتها من الغرض السياسي وتبريرها للإثارة الخالصة – فإنها تضمر نظرة لا تخلو من عنصرية تصوّر أغلب الأشرار والشريرات على أنهم من أغراب من أجناس غير العرق الأنغلوساكسوني النقي، فمنهم الروسي، والألماني، والإسباني، والياباني، والجنوب- أميركي، والإفريقي، والصيني، والتركي، والمغربي، والمصري، والكوري. بينما بالكاد نجد عبر 42 فيلماً مجرماً أميركياً أو بريطانياً إلّا في حالات نادرة، وفي دور مساعد، كما في «العين الذهبية» و«سبكتر». ما الذي ميّز فيلم «سبكتر» (2015) عن سواه، سلباً أم إيجاباً؟

يتضمن فيلم «سبكتر» (2015) معركة جسدية ربما كانت واحدة من الأعنف في جميع أفلام بوند، إذ إن الخصم فيها ليس سوى المصارع العملاق باتيستا. والفيلم استضاف أكبر امرأة عمراً بين حبيبات بوند، فالإيطالية مونيكا بلوشي تبلغ 50 عاماً. لَعلّ الأمر الذي أعطى فيلم منديس «سكاي فول» تقديراً أفضل هو كون حبكته الدرامية أشد وضوحاً وسلاسة من حبكة «سبكتر» المعقدة. هناك أمور غير مقنعة هنا، فليس من المنطقي أن يقتحم بوند وحيداً مقرّ اجتماع العصابة الدولية الرهيبة، معرّضاً نفسه للقتل. وليس من المبرر أن يغير ثيابه في أماكن نائية دون أن نراه يحمل حقيبة ثياب. ثم إن علاقته بأرملة الإرهابي (مونيكا بلوشي) علاقة عابرة جداً، ومن الغامض معرفة سبب استهداف القتلة لها. أما الإبر التي تُغرس في عنقه وهو مُقيّد إلى آلة، فلا نراها تركت تأثيراً يذكر عليه. بالمقابل، أجاد كريستوف وولتز تقمُّص الشرير، فهو يُخيف بهدوئه غير العادي، خاصة بعد أن ينجو من الموت بجرح غائر على وجهه. ذكرنا وولتز بفوزه المستحق بأوسكار أفضل ممثل مساعد عن فيلم «دجانغو طليقاً». يجد بوند نفسه هذه المرّة محاصراً ومنفياً. إذا كان هذا الوضع مألوفاً منذ بيرس بروسنان، فإنه هنا وصل إلى أقصاه، لأن جهاز المخابرات البريطانية يتخلّى رسمياً واضطرارياً عن بوند بسبب مندس خائن (لعب دوره أندرو سكوت) يحاول إلغاء الجهاز من أساسه خدمة لمنظمة سبكتر الإرهابية. بالطبع، يحبط جيمس بوند المخطط منذ أن يكشف له العجوز (غاسبر كريستنسن) الذي انشق عن العصابة له أسرارها قبل أن ينتحر، موكلاً إياه حماية ابنته الوحيدة. لكن بوند (دانيال كريغ) لا يبقى وحيداً، بل يحظى بمساندة فعالة من رئيسه «م» (رالف فاينس)، من «كيو» (بن ويشو)، من «مونيبني» (ناعومي هاريس)، ومن الحسناء الفرنسية بطلة الفيلم (ليا سيدو). تبدأ أحداث الفيلم في المكسيك مع كرنفال عيد الموتى بمشاهد أخاذة، وتستمر في بريطانيا، ثم ينتقل بنا الفيلم إلى إيطاليا والنمسا، وأخيراً يستقرّ بنا طويلاً في المغرب قبل أن نصل إلى ختامه على جسر فوق نهر «التايمز» في لندن. مشاهد متنوّعة وآسرة ومحرّضة للخيال، لكنها أثقلت الفيلم بالنقلات من مكان إلى آخر، وبالمغامرة من أجل المغامرة. قصة فيلم «سبكتر» لم يكتبها مبتدع شخصية جيمس بوند الأصلي إيان فلمنغ، بل كل من جون لوغان ونيل بارفيس وآخرين. قام بتصوير الفيلم هويتي فان هويتما، وبمونتاجه لي سميث، وألّف موسيقاه البديعة توماس نيومان. هناك مئات الخبراء الذين وقفوا أيضاً وراء نجاح الفيلم، خاصة خدعه التقنيّة المبتكرة، وبدلاء المخاطر الذين بلغ عددهم 95 شخصاً، مما جعل «سبكتر» أحد أفلام بوند المميّزة، التي جعلت المشاهدين يترقبون جزأه الثاني بتشوق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*