الرئيسية | منبر الموجة | تداعيات التناص في الأدب | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

تداعيات التناص في الأدب | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

 حمودي عبد محسن

يعتبر ميخائيل باختين (1895ـ1975) هو أول من صاغ مصطلح التناص في الأدب من خلال استقراءنا لكتبه التي يمتد فكرها إلى الأرثذوكسية المسيحية خاصة في مفهوم ثنائية الوجود ما بين الخير والشر، ما بين النور والظلام، ما بين الايجابي والسلبي، ما بين التقدمي والرجعي، التي كان يراها ذات أصوات متعددة متباينة مختلفة متصارعة دون أحادية الصوت حتى لو طغى هذا الصوت على الفكر الانساني والمجتمع والتاريخ لأن هناك تقاطع بين الأصوات، ولباختين كتاب عن دوستوفسكي الذي كان هو أيضا بميول أرثذوكسية مسيحية في كتاباته، ولذلك لا يراودنا أدنى شك من أن فلسفة باختين في أبعادها الثقافية والتاريخية والثقافية تنطلق من المقولة الفلسفية وحدة وصراع الأضداد. هذه النظرة الفلسفية ليست كما يعتقد البعض من الكتاب أنها تشمل الأدب فقط بل امتدت أيضا الى الدين والعلوم الانسانية الأخرى، ثم هي لم تخرج من إطارها بكونها رؤية نقدية شمولية تعتمد على مبدأ الحوار الذي هو سمة مميزة في البحث النظري لأي نص مكتوب سواء كان مباشر أم غير مباشر، معرفيا أم دون معرفة لأنه يعتمد الاستحضار والإستطراد في النص ذاته وبين نصوص أخرى في إشارة واضحة إلى العلاقة المتبادلة في التكوين والتداخل والتقاطع والتنافي، وقد ابتكرت جوليا كريستيفا الفرنسية، البلغارية الأصل شيئا بإعادة تأويل مصطلح التناص برؤية نقدية جديدة في الأدب، فصار يعني التشابه بين نص وآخر أو بين عدة نصوص، ليكون له مفهوما أكثر شمولية وأكثر مرونة مع مرحلة العصر الذي أصبح فيه النص يندمج ويتمازج مع الفكر الإنساني كإمتداد للماضي، فلم يعد النص مجرد تصورات، ولم يعد مجرد استطراد تخاطبي أو مغلق بل هو تفاعلي متواصل متولد مع نص آخر أو عدة نصوص. لم أجد في مصادر اللغة الغربية بأن التناص يعني التشابه، فأغلب المصادر تشير إلى معان أخرى لأنه مصطلح غير عربي، ولكونه أصبح شائعا في النقد العربي فلا غبار من استخدامه منهجا تحقيقيا في بحثنا هذا الذي يتبع مقالتنا السابقة (تعددت الأديان والإله الواحد).

المقدس في البحث التاريخي هو الراعي الإلهي الحاضر الغائب الذي كان له يبتهل العباد. ذلك ارتبط بقيم التعبد الذي تحول بمرور الزمن إلى إرث ثقافي إجتماعي متداول يبعث الغبطة الروحية. تلك الخاصية صارت عرف وتقليد شعبي اسطوري تكرر مرارا في طقوس التعبد حسب الإنتماء للمكون الإنساني، فالإبتهالات والصلوات والأناشيد والتسابح الشفوية صارت مصادرا جوهرية يتميز بها المكون الاجتماعي عن الآخر حسب بيئته. ثم ظهرت الكتابة التي أحدثت طفرة ونقلة نوعية في سياق العقل التاريخي أي انتقال من الشفوي إلى الكتابي. هذه النقلة احدثت تغيرا نمطيا في التدوين والتسجيل، فصار النص المكتوب يتكلم ويتحدث ويبلغ عن خطاب حتى التعاويذ السحرية الخرافية صارت تبلغ عن أمر غيبي أو دنيوي سيما قد بدأ التأدب بالنص الذي غلب عليه الشعر الفردي المليء بالأحاسيس تجاه السماوي أوالأنطباعي التأملي، فقد ترافق الأسطوري المقدس الأبدي مع الوجود الدنيوي ليمس حياة الإنسان اليومية. هذه حقيقة لا يمكن تفاديها على الإطلاقن إذ انبعث التأدب بالنص التعبدي إلى نص المشاعر الذي تمت من خلاله صياغة قصصا تخيلية باتقان بارع حول نشوء الخليقة، والخصوبة والجفاف، والفناء والوجود، والموت والخلود. تلك كانت تتناسب مع طبيعة روح العصر، والتكوين البيئي للبشر، حيث صار الابتكار النصي متمازج ومندمج ما بين الإله الراعي المقدس وبين الحدث التاريخي والظواهر المستجدة، فصار أيضا للنخبة الكهنوتية أو رجال الدين سيطرة وسلطة ونفوذ من خلال المعابد في المجتمع والدولة، فهم زعموا أنهم الواسطة لرب الأرباب، وأن هرمس رسول زيوس ليس فقط رسولا إلى الآلهة وانصاف الآلهة والأبطال، وإنما هم أيضا يتلقون منه خطابا كرسول إليهم من رب الأرباب أما في الديانات الشرقية فزعموا أنهم يمتلكون القدرة بمخاطبة الخالق الأعظم الجالس على عرشه في السماوات، وهم الوحيدون القادرون على استقراء الغيب، وليس اعتباطا أن يقوم الكاهن الكبير في أعياد رأس السنة في بابل أن يغتصب الفتاة العذراء باسم مردوخ في الطابق السابع من برج بابل في ليلة كان يطلق عليها ليلة الزواج المقدس، والأنكى من هذا هو أن هؤلاء الكهنة ورئيسهم هم من تعاونوا مع كورش الفارسي لإحتلال وإسقاط بابل، وليس أيضا اعتباطا أن يذهب الباحثون في تحليلهم أن الفرعون عنخ توت آمون لم يمت بسبب المرض بل قد قتل بطعنة في ظهره من قبل وزيره ـ خير خيرو رع أي ـ بمؤامرة للتخلص منه لمساعيه في توحيده الآلهة بعبادة الإله الواحد آتون، فكان قد قوض دور الكهنة في المجتمع والدولة بمصادرة ممتلكاتهم، وأغلق معابد آمون، وأوقافها، ومصادرها الآتية عن طريق الأضاحي والنذور، ونقل عاصمته طيبة إلى ـ أخت آتون بالمنير ـ لكن في عام 1331 حدثت اضطرابات ضده بتوجيه من الكهنة بسبب مساعيه في توحيد تعدد الآلهة بإله واحد، فاضطر إلى رفع الحظر عن الديانة القديمة، والعودة إلى طيبة كعاصمة للبلاد. بعد مقتل آخناتون اجبرت أرملته الحسناء ـ عنخ توت آمون ـ بالزواج من قاتل زوجها الوزير الذي اعتلى عرش مصر، ونصب نفسه فرعونا حينها أطلقت ـ عنخ توت آمون ـ كلمتها الشهيرة ـ قتل زوجي ثم تزوجني ثم اعتلى عرش مصر يا رع، *يا وارث الأبدية، يا رب المجد، كل شيء يحيا بشعاعك، يا رمز محسوس لإله غير محسوس، خالق البدايات والنهايات، لك انحني يا رع*.

نعم، ظهر في الديانات الشرقية رسل وأنبياء، وكانت بلقيس ملكة سبأ كلما كان يظهر مدعي بالنبوة تخضعه إلى امتحان، فتطرح عليه عدة ألغاز وأحاج. لا أدري لماذا كلهم فشلوا في االامتحانات غير أن زراداشت نجح في الأمتحان عند ملك الفرس، واصبحت الزرادشية الدين الرسمي للمملكة الفارسية، وقد ارتكبت في تلك الفترة مجازر وحروب دموية ضد المعتقدات الأخرى.

عند دراستنا للكتب الدينية نجد أن هناك قرابة وتقارب للقصص في وحدة بلاغية شاملة ذات اسلوب إيماني موحي حول الموت، إذ أن الإنسان يقف أمام الموت جزعا قلقا كأنه لغزا محيرا لا يفهم خاصة وأن أسطورة قتل قابيل لأخاه هابيل سطرت بنصوص متعددة حيث أوحت هذه النصوص عن الوجود الفاني، وما بعد الموت، والبعث، والحساب في اليوم الموعود سواء كان ذلك في جحيم العقاب أم في جنان حور العين وطيب المساكن، وهنا تجدر الإشارة ألى أن العراقيين القدامى كانوا أكثر تمسكا بالحياة لذلك حاولوا أن يبحثوا عن الخلود كما جاء في ملحمة جلجامش بينما كان المصريون يلجأون إلى التحنيط إعتقادا منهم بعودة الحياة بعد الموت، فالفراعنة بعد موت فرعونهم يدخلون معه أغلب حاجياته العزيزة على نفسه إلى الأهرام، لذلك فإن الإستطراد التكويني للنصوص في الفهم والتفسير يقودنا إلى مصطلح التناص الذي صيغ النص بمحتوى ثقافي تاريخي يكون نتاجا ليعكس نمط الفكير والواقع التاريخي المعاش في مرحلة زمنية.

هكذا جاءت كلمة الأدب متأخرة إلينا في القرن الثامن عشر، وصرنا نستقرأ منه التماثل من خلال النصوص التي يطلق عليها بعض الباحثين في استنباط الدلالة، فهوميروس الذي تنسب إليه ملحمة الألياذة، والأوديسة استطاع بهما أن يدمج الإلهي الراعي زيوس بالبطولي الخارق أكيل وأديسوس بالرغم من أن بعض المؤرخين والباحثين يشيرون إلى أن ملحمة الأياذة التي جسدت حرب عشرة سنوات وانتهت بتدمير طروادة ما هي كونها ذاكرة شعبية شعرية انتقلت شفويا لأكثر من خمسة قرون ما بعد الحرب ثم دونت من قبل جماعة لا أحد يعرف عنهم شيئا، وما هوميروس الشاعر الأعمى الذي كان

يتجول في مدن وقرى الأغريق إلا أسطورة مبتدعة، فالإلهة افروديت إلهة الجمال والحب في ملحمة الألياذة هي نفسها فينوس عند الرومان، وهي نفسها عشتار عند البابليين، وهي نفسها أنانا عند السومريين، ويعتقد البعض هي نفسها أيزيس عند المصريين القدامى أما شجرة الحياة المقدسة الواردة في النصوص السومرية والبابلية كما توضحه الأختام الاسطوانية والتي تشير إلى النخلة، فهي قد تكون شجرة الزيتون عند الكنعانيين، وقد تكون نفسها عند الإغريق لأنها شجرة الإلهة أثينا التي كانت ترعاها، وتحرم قطعها، وأن الملوك أتخذ من زيتها رمزا يسكب على رؤوسهم ليسيل على وجوههم، وكانت الإلهة هيرا زوجة زيوس تدهن نفسها به بعد تحممها في غدير لتجدد حيوية جلدها الناعم.

إن دراستنا إلى مصطلح التناص في النص الأدبي ثم المقارنة مع النصوص الأخرى يدعونا إلى التوقف عند المرحلة التاريخية التي كتب فيها النص، ودراسة طبيعة التراكمات الأسطورية الكونية في الموروث الأخباري والرؤى والأحلام في القصص العجائبية سواء أن تم استقصاها من عوالم نصية أخرى كتابية أو شفوية، فهي قد أسهمت في توليد نصا جديدا حافظ أم نفى سابقه من النصوص تظمينا يؤكد لنا على حقيقة تاريخية بأن التحول النصي يتمثل بالتفاعل مع النصوص الأخرى في ملامحه جدليا، فالرواية القصيرة المسخ لكافكا التي تعالج اغتراب الإنسان في المجتمع الرأسمالي قد استقصها الكاتب مدلولا من كتاب التحولات للشاعر الروماني أوفيد الذي كان يعاني من كئابة بعد أن نفاه الأمبراطور أوغسطس بتهمة علاقته مع حفيدته سيما وقد جاء العنوان موازيا مع عنوان كتاب التحولات، ثم أن مواضيع القصائد في التحولات هي مسخ الكائنات، ونجد كذلك المفاجأة في لحظة المسخ كما يبتدأ كافكا في نصه الذي جعل نهوض غريغوري الصباحي في غرفة مغلقة ليجد نفسه حشرة تحمل صفة الخنفساء. كان كافكا في مرحلة حياته أيضا يعاني من كئابة، فكانت روايته القصيرة سوداوية التي يدرجها بعض الكتاب بكونها تنتمي إلى النص العبثي. هنا تجد الإشارة إلى أن أوفيد قد استمد التحولات من الأساطير والتراث الأغريقي بالرغم أنها تحتلف في صياغة النماذج.

هذا، ونجد فيما بعد أن كتاب فاوست لغوتة الذي استقصاه من سابقيه عن فاوست الساحر الذي يتعاهد مع الشيطان ليمدد عمره خاصة كتاب يتحدث عن نفس الموضوع الذي يسمى (الكتاب الشعبي) لكن غوتة بذكائه وعبقريته الفذة استطاع إعادة تشكيل التوليد بنص مختلف ومتواز في تكوين تاريخي لغوي بنص حي وحديث يتناسب مع الثقافة الشعبية للواقع المعاصر، ويتوافق مع ذهنية العصر المعاش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*