الرئيسية | ترجمة | تتبُّع خارطة محمود درويش | جورج فاراغوبلوس، ترجمة: د.محمد الظاهر

تتبُّع خارطة محمود درويش | جورج فاراغوبلوس، ترجمة: د.محمد الظاهر

جورج فاراغوبلوس

ترجمة: د.محمد الظاهر

“في كلّ مكان يذهب إليه محمود درويش تجرحه فلسطين”. بهذه الكلمات اختصر جيورجيوس سيفريس، الشاعر اليوناني الحاصل على جائزة نوبل للآداب، رحلة محمود درويش الأدبيَّة. ليس من قبيل المصادفة إذن أن يقوم قرَّاء أعمال محمود درويش باستحضار صورة لخريطته كرمز للتصالح مع قصائده التي تعبّر عن الاحتجاج والمقاومة، ذلك أنَّ قصائده ترسم مشهداً شديد الوضوح لنقطة من أشدّ نقاط العنف والصراع. كانت فلسطين هي الخريطة التي يحملها معه محمود درويش أينما ذهب. فهي ليست موجودة في أحلامه فحسب، وإنَّما في لغته وقصائده وجسده أيضاً. فهو يقول في إحدى قصائده النثريَّة “فلسطين تسكن فينا، مثلما نسكن فيها”. إنَّ شعر درويش ما هو إلا بحث عن خريطة فعليَّة مليئة بأنقاض شعب جُرّد من منازله وهويَّته وتاريخه.

هذه المقدمة مأخوذة من كتاب (آدم الجنتين) لمنير العكش.

سيكون من المستحيل الآن استرداد هذه العوالم الأنقاض والأطلال الشاعريَّة، بالكامل، من الذاكرة الفلسطينيَّة. لقد ضاع منها الكثير، ودُمّر منها الكثير، حتى الكثير الذي نجا منها لم ينجُ من الدمار الإسرائيلي، بما في ذلك شعر درويش الذي يجد نفسه في شارع الخراب، شعر درويش ليس مجرَّد شعر للدفاع عن النفس، وإنَّما هو دفاع  عمَّا تبقى من الأصل الفلسطيني، وتحدٍّ لمحو شعب بكامله. في أشعاره ثروة من الصور الفنيَّة المدفونة تحت السطح. في بعض الحالات بوسعنا أن نرى أدلة على مأوى الماضي، بينما في حالات أخرى لا يوجد سوى شعاع ضئيل من الأمل والتوقعات. مع هذه الذاكرة المهدَّدة بالانقراض، يمكن للثقافة أن تستبدلها بذاكرة أخرى. بحيث تصبح المقاومة وجوديَّة، لذا نراه يدعو إلى شكل أكثر تطوراً من المقاومة، تتعدَّى مجرَّد كونها مقاومة للاحتلال. وهذه هي رؤية درويش، فمن خلال احتفاله بالحزن يحذّرنا من أنَّ الوقت لن يتوقف عن نثر بذور الخراب، وإلى نقص أساسي في ضمان بقاء الفلسطينيين على قيد الحياة، على الإطلاق.

بالنسبة إلى محمود درويش، ليس هناك من مفر، وبالنسبة إلى أولئك الذين ما يزالون يعيشون هنا، لا مفرَّ أيضاً، فالفلسطينيون يعيشون في ظلّ القوة الغاشمة بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. إنَّ قبول الهويَّة الفلسطينيَّة بحميع المقاصد والأغراض هي المحظور الوحيد، لذلك فإنَّ الموقف المقابل يجب أن يكون “عدم الخروج”. وهو ما عبَّر عنه درويش نفسه في مقالة نشرها عام 1985، بعنوان (جنون أن تكون فلسطينياً): “لا يمكن للفلسطيني سوى القيام بشيء واحد فقط، هو أن يصبح أكثر فلسطينيَّة، فلسطيني حتى الوطن والحريَّة، فلسطيني حتى الموت، لأنَّه لا يوجد لديه أيُّ خيار آخر”.

في الوقت الذي نجد فيه أنَّ من المستحيل الحديث عن الأعمال المختلفة التي تركها محمود درويش عند وفاته في آب 2008،  فإنَّنا نجد من المستحيل أيضاً فصل محمود درويش عن الواقع التاريخي للنكبة الفلسطينيَّة. ذلك أنَّ موضوعاته الرئيسة تعود لهذه اللحظة الحاسمة، هذه اللحظة التي لم يتميز فيها المشهد الخارجي لمنطقة الشرق الأوسط فحسب، بل وبالخرائط الفعليَّة، والشعب اللاجئ، والحدود، ولكن أيضاً، وهذا هو الأهم، النفسيَّة الداخليَّة لكلا الشعبين بشكل خاص والعالم بشكل عام.

كان محمود درويش صبياً صغيراً عندما أجبِر هو وأسرته على الفرار إلى الأراضي اللبنانيَّة المجاورة. وقد سجَّل هذا الهروب المروّع بأساليب متنوعة ومختلفة في أعماله. لقد تناثرت خرائطه الشعريَّة مع الآثار والأطلال الباقية التي أصبحت للأسف عبارات مجازيَّة شائعة في الحياة اليوميَّة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: الخسارة، والمنفى، والعنف، والحرب. لكنَّ أعمال محمود درويش تتحدَّى في غالب الأحيان هيمنة هذه اللغة، اللغة الوحشيَّة، فقصائده غالباً ما تنحاز إلى السعادة والجمال والأمل في التغيير السياسي. ويشعر درويش بالحسرة تجاه الانتقادات التي توجَّه إليه حين لا يكتب الشعر السياسي الواضح. لأنَّه يعي مدى أهميَّة أن يكون شعره خطوة لاجتياز مثل هذه التركيبات الاختزاليَّة الجاهزة. بالنسبة إلى درويش، فإنَّ شاعريَّة المقاومة تعني مقاومة للمفاهيم المسبقة لما ينبغي أن يكون عليه حال الشعر.

منذ وفاة محمود درويش، تمَّ نشر العديد من الترجمات والطبعات الجديدة لأعماله في الولايات المتحدة. وما تزال هناك أعمال تنتظر النشر.

هذه الدراسة تتناول ثلاثاً من الترجمات الأحدث، وهي: ” كزهر اللوز أو أبعد “، ” ونهر يموت من العطش”، و”الجدارية”، إضافة إلى مجموعة أخرى كانت قد نُشرت عام 2006، وهي مجموعة “لماذا تركت الحصان وحيداً”؟ وكما أشار روبين كريسول في مقال نُشر مؤخراً في مجلة (ناشيونال)، فإنَّ محمود درويش يعتبر أنَّ أعماله الأخيرة هي الأفضل بالنسبة إليه. وهي الأعمال التي لقيت صداها وتلقفتها اللغة الإنجليزيَّة في المقام الأول. لذلك سوف نتجاوز بعض أعماله المبكّرة للتركيز على أعماله المتأخرة، هذه الأعمال التي  يقول عنها كريسول إنَّها مختلفة جذرياً عن أعماله السابقة التي كانت أكثر مباشرة في مجالي السياسة والمواجهة.

هدفي من هذه الدراسة هو أن تكون بسيطة ومعقدة بشكل رهيب في آن معاً: وهو تتبُّع الخطوط العريضة للخريطة التي تركها محمود درويش لقرَّائه كي يتبعوها في أعماله الأخيرة، وتقبل أنَّ قراءتي الخاصة هي أيضاً خارطتي الخاصة الحاسمة التي لا يمكن أن تهدد أيَّ شيء سطحي جداً، أو أيّ تفاهم “مؤقت” لشعره، أو أيّ سياق آخر يسعى لاستنطاق أعماله. إذ ينبغي لأيّ نقد جاد أن يسير بحذر على الخط الفاصل بين العمل و”فهمه” دون أن يحدّد تماماً الاتجاه الذي يمضي إليه، بل عليه أن يسير دائماً على منتصف الخط، وهذا هو الوضع الأكثر تعقيداً والأكثر خطورة، خاصة إذا كنت تعي الاتجاه الذي تمضي إليه.

إنَّ قراءة أعمال درويش من خلال الترجمة وخارج سياقها الخاص يمكن أن تكون تجربة مربكة. وذلك لسبب بسيط وهو أنَّ على المرء أن يكون حذراً من فقدان ثروة المعنى. لقد أشار الباحث إبراهيم مهاوي إلى هذه النقطة مؤخراً في دراسته (سياقات اللغة لدى محمود درويش)، حين  أوضح مدى ما تفقده اللغة عند قراءة محمود درويش مترجماً. ذلك أنَّ الترجمة تفقد أشعاره الكثير من المظاهر الدياليكتيكيَّة للغة مثل الأصوات والإيقاعات في اللغة العربيَّة.

*      *     *

حين تفرك قطعتين من الصوان الأسود بعضهما ببعض، ستحصل على شرارة، وحين تفرك فكرتين سوداوين بعضهما ببعض ستحصل على معنى جديد. وهذه هي وسيلة درويش في السخرية، إنَّه اقتراح نوع جديد من الجدل، وهو أنَّ طرح فكرة غامضة نقيضة لفكرة غامضة أخرى سيؤدي بالنتيجة إلى تركيبة جديدة ذكيَّة ومستنيرة.

في الشعر تستخدم اللغة باعتبارها “مجازاً… بخصائصها الماديَّة”، هذه الخصائص التي تحمل معها إيقاعاتها الموسيقيَّة التي تظهر في أعمال محمود درويش. إنَّ الديالكتيك الذي تحدث عنه مهاوي متأصل في اللغة ذاتها، ومن المستحيل استحضاره في اللغة الإنجليزيَّة. وبالتالي فإنَّ القصائد تحمل الكثير من التحدّيات التي يجب على قارئ الترجمة أن يتقبَّلها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ عدم فهم الصورة المعقدة من بديهيات هذا العصر. وبما أنَّني لا أستطيع أن أشهد على دقة الترجمة، فإنَّ كلَّ ما أقوم به خلال هذه الدراسة هو إمكانيَّة قراءتها بشكل جيد باللغة الإنجليزيَّة. (إحدى المشكلات الكبيرة هي أنَّك، وأنت تنطلق في أرخبيل استعراض القصائد، تدرك أنَّك تفتقر إلى الأدوات التي تجعل الاقتراب من هذه القصائد أكثر يُسراً وسهولة). ليست هناك هوامش أو تعليقات أو قوائم مصطلحات أو مقدّمات، أو حتى حواشٍ، لذا فإنَّ المصداقية يمكن أن تتمَّ من خلال عرض النسخ العربيَّة جنباً إلى جنب مع الترجمة الإنجليزيَّة، كما حدث في ترجمة مجموعة (لماذا تركت الحصان وحيداً)؟ ذلك أنَّ مثل هذه المعضلة يمكن أن تكون قد أثرت على رغبة القرَّاء في مقاومة تعميم شعر محمود درويش، الأمر الذي يشكِّل تهديداً كبيراً للخصوصيَّة التاريخيَّة، وضرورة وضع العمل في متناول اليد. لحسن الحظ، لقد احتوت ترجمة مجموعة (كزهر اللوز أو أبعد) على مقدّمة ممتازة، إضافة إلى بعض الملاحظات. أمَّا الجداريَّة فإنَّها تحتوي على عنوان القصيدة وقصيدة أخرى بعنوان (لاعب النَّرد)، كما أنَّها تشتمل على بعض الملاحظات وإضافة مقدّمة شخصيَّة جداً وجميلة، ولكنَّها وجيزة جداً وغير نقديَّة، من قبل جون بيرغر الذي زيَّن المجموعة برسومات جميلة رسمها بنفسه واستوحاها من حياة درويش وأعماله. إنَّ السياق يكتسب أهميَّة استثنائيَّة في قراءة شعر درويش. الشاعر والباحث والمترجم عميئيل الكالاي، وفي مقال له بعنوان (من يخاف محمود درويش) يقول:  ينحدر محمود درويش من موروث النفي السياسي الذي يجسّده شعراء مثل سيزار فاييخو وناظم حكمت ويانيس ريتسوس، وبالتالي فإنَّ عمله جهد حقيقي بالنسبة إلى أولئك الذين فطموا على برجوازيَّة الأدبين الأنجلو أمريكي والأوروبي. لأنَّ مثل هؤلاء المنفيين لا يوجد شيء نقي أو فن موضوعي، ولا توجد مشاركة أو فك ارتباط في الكتابة. عملهم وبكلّ بساطة مجرَّد جزء من كلّ حالة من حالات أولئك الذين لا يعرفون كيف يرتاحون على بعض الأمجاد الغامضة، أو العمل داخل الأجهزة المتغطرسة التي يمكن أن توفّرها لهم السُلطة”.

الهدف من أعمال محمود درويش هو التعبير بلغة بعيدة عن لغة المعاناة والخسارة ومحنة الشعب الفلسطيني. كثيراً ما كان درويش يعبّر عن عدم الارتياح إزاء لقب (شاعر المقاومة)، لكنَّه لم يخجل أبداً من أن يكون شاعراً وطنياً لشعبه. وحسب تعبير أنطوان شماس، فإنَّ قصائد درويش تسعى لاستعادة خريطة اللغة بدلاً من الخريطة التي ضاعت على أرض الواقع. أمَّا منير العكش فإنَّه يقول إنَّ محمود درويش مثل بول سيلان يسأل كيف يمكن للمرء أن “يكتب أو يفكّر حول الكارثة التي تتحدَّى التعبير وتفرض الصمت وتحرق الكتب وتمزق المعنى”؟ في أعمال درويش استجواب للغة كلغة، وهي ثيمة دائمة بالنسبة إليه، وهي جزء من اسكتشاف ما يمكن للشعر أن يقوله في عصر بربري كعصرنا”.

إنَّ موضوعاً كموضوع المنفى، على سبيل المثال، حين يكون حقيقة واضحة من الحقائق السياسيَّة في عالمنا اليوم، يعني شيئاً محدداً بشكل لا يُصدَّق في أعمال درويش، وهو جزء من العصر البربري الذي نجد أنفسنا فيه. لقد كتب الشاعر جوزيف برودسكي في أحد مقالاته يقول: “الحالة التي نطلق عليها اسم المنفى هي عبارة عن تهجير وسوء وتموضع، وهي من الأمور العاديَّة المألوفة في هذا القرن”، والرد ُّعلى هذه المقولة هو: نعم و لا. فبينما نتفق مع برودوسكي أنَّ نزوح النفي قد أصبح ظاهرة عالميَّة لجوانب معيَّنة في حالتنا المعاصرة، يجب علينا أن نبقي في الاعتبار الخصوصيَّة المتميزة  لكلّ حالة نفي وعواقبها. يجب ألا نختصر المنفى إلى مفهوم مجرَّد “إنسانيا” و”عالمياً”، بل النظر إليه على أنَّنا ارتكبنا إثماً عظيماً، وهذا هو ردُّ فعل شاعر مثل درويش على حالة المنفى.

لقد وجَّه درويش كلَّ طاقته الإبداعية من خلال خصوصيَّة واقعه التاريخي في محاولة منه للإجابة عن بعض الأسئلة الأكثر إلحاحاً في عصرنا: ما الذي سيكون عليه شعب بلا وطن؟ ماذا يعني شاعر وطني بدون شعب؟ ماذا يمكن أن تعني اللغة للنازحين المنفيين؟ وهل هذا العصر عصر الشعر؟ حين قال ثيودور أدورنو إنَّ كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري، لم يكن يعني فقط ويلات غرف الغاز ومحرقة يهود أوروبا، بل المنطق الذي من شأنه أن يؤدي إلى صعود الأعمال الوحشيَّة في معسكر الاعتقال. معسكر الاعتقال، بعبارة أخرى، كان وبكلّ بساطة نهاية منطقيَّة لما كان – وما يزال –  يسعى إليه الغرب. ويجب علينا ألا نقرأ أعمال محمود درويش في جزء منها كردٍّ على مزاعم أدورنو، ذلك أنَّ التهجير والعنف ضدَّ الشعب الفلسطيني، وبكل تميزه وأصالته، هو أيضاً نتيجة للتحوُّل في عجلة التاريخ التي هي أكبر بكثير من أيّ حدث سياسي، في أيّ وقت مضى.

*      *    *

وكما سبق ذكره، فإنَّ الأعمال التي تشملها هذه الدراسة هي بعض من أعمال درويش الأخيرة، والتي لن نعتبرها كما قال ثيودور أدورنو كما جاء في بحثه الذي أسماه “نمط بتهوفن المتأخر”.

إنَّ نضج الأعمال الأخيرة للفنانين المهمين لا يشبه نضج الفاكهة، وكقاعدة عامَّة فإنَّها لا تكون جميلة الشكل، بل ربما تأتي مجعَّدة، وربَّما تأتي متشققة أيضاً. وقد تكون عرضة للافتقار للحلاوة، فيها تلك الحموضة اللاذعة للراغبين في أخذ عيّنات منها. إنَّها تفتقر إلى كلّ ذلك الانسجام المعتاد في الجماليات الكلاسيكيَّة المطلوبة في العمل الفني، إذ تظهر عليها الكثير من آثار التاريخ، بدلاً من آثار النمو والتطوُّر والارتقاء. والتفسير المقبول هو أنَّ هذه النتاجات ذاتيَّة، أو على أقلّ تقدير شخصيَّة تعبّر عن نفسها بشكل متحجّر، ممَّا يكسر جماليات الشكل التعبيري، ويبدل الانسجام بالتنافر ويهدر سحرها الحسي تحت ضغط ما يمليه العقل المتغطرس، وبالتالي تهبط الأعمال المتأخرة إلى هامش الفن، وتصبح أقرب إلى التوثيق.

في دراسة نقديَّة له بعنوان (النمط المتأخر)، يرى إدوارد سعيد أنَّ ادعاءات أدورنو التي ترى أنَّ الأعمال المتأخرة هي “شكل من أشكال المنفى”. كيف يكون ذلك؟ لأنَّ الأعمال المتأخرة حسب مزاجه الجمالي هي “نوع من المنفى الاختياري المقبول عموماً، لكنَّ الكارثة التي يمثلها “النمط المتأخر” لدى أدورنو فيما يتعلق بحالة بتهوفن الموسيقيَّة، هو شيء عرضي مجزأ، يمزقه الغياب والصمت، ولا يصلح لتطبيقه على حالات أخرى”.

تتميز “الأعمال المتأخرة” بالانغلاق على الذات والمواجهة مع النفس، وهو ما أدركه أيضاً محمد شاهين في مقدّمته لديوان “كزهر اللوز أو أبعد”، يقول: “لقد بدأ بكتابة قصائد عن فلسطين، وبعد مغامرته الطويلة في استكشاف الغموض، وصل إلى مشروعه الإنساني من خلال النظر إلى التراث الإنساني ككل. لذلك فإنَّ مجموعته “ورد أقل” اتجهت نحو شعريَّة الذات، بحيث أصبح هذا الاتجاه هو الاتجاه الأكثر وضوحاً في هذه المجموعة.

ينتهي أدورونو في مقاله إلى ثيمة “الفكر المقنع” في تاريخ الفن، مستنتجاً أنَّ “الأعمال المتأخرة” عبارة عن كوارث. أمَّا أدوارد سعيد فإنَّه يرى أنَّ الأعمال المتأخرة هي نوع من النفي، لأنَّها اكتشاف للذات وتراجع وفكّ ارتباط عن الخارج، أي إلى المساحة التي يعي فيها عزلته عن بقية العالم المستيقظ. إنَّ وعي ما بعد المنفى هو وعي متأخر، وهو على وعي وبينة من الهوَّة التي لا يمكن التغلب عليها بين الحاضر والماضي، والبيت والوطن، واللغة والذات. حيث يستدعي هذا الشيء المؤقت للمساءلة، لأنَّ العقل يكون ما زال متجمداً في الماضي الذي لا يمكنه إيجاد الحلول المستقبليَّة التي لا يستطيع الوصول إليها أبداً، والتي تبدو أشدَّ وطأة وتخويفاً.

في مقابلة له مع صحيفة هآرتس الإسرائيليَّة في تموز – يوليو 2007، قال محمود درويش: “الفلسطينيون هم الشعب الوحيد في العالم الذي يشعر يقينياً أنَّ اليوم هو أفضل ممَّا ستأتي به الأيام المقبلة. فالغد يبشر دائماً بما هو أسوأ”. ويسأل بلغة خطابيَّة في (الجداريَّة) “ما الآن، ما الغد، ما الزمان وما المكان، وما القديم وما الجديد”؟ المنفى والفلسطيني تركا دائماً وحدهما بانتظار الغد الذي لن يصل أبداً. هذا هو ما يبوح به في قصيدة (لماذا تركت الحصان وحيداً؟):

مَرَّ القطارُ سريعاً،

كُنْتُ أنتظرُ

على الرَّصيف قطاراً مَرَّ،

وانصرَفَ المُسافرونَ إلى

أَيَّامِهِمْ … وأَنا

ما زلتُ أَنتظرُ

بهذا المعنى، كلّ أعمال درويش “أعمال متأخرة”، لأنَّها أعمال المنفى، ما يثير الاهتمام في هذه الأعمال بشكل كبير هو أنَّ هذه الأعمال التي ندرسها تسعى إلى التنقيب المكثف عن اللغة، وكيف تؤدي إلى هذا الانغلاق على الذات، الذي يعتبره إدوارد سعيد حالة مفصليَّة. أمَّا ما تركناه للغة، فإنَّه يصبح وعياً ذاتيَّاً، ولكنَّه أيضاً بينة على فشلها فيما تمثله.

*     *     *

إنَّه عمل رائع يتحدث بهذا المعنى عن الانتظار والآمال المحبطة، وهو في (كزهر اللوز أو أبعد)  سلسلة طويلة من “المنفى” يشبه إلى حد سلسلة من التجارب المهملة:

” نهارَ الثُّلاثاء، والجوُّ صافٍ، أَسيرُ

على شارعٍ جانبيّ مُغَطّى بسقف من

الكستناء… أسير خفيفاً خفيفاً كأنّي

تبخَّرتُ من جسدي، وكأنّي على موعد

مع إحدى القصائد. أنظر في ساعتي

شارداً. أتصفَّحُ أوراق غيم بعيد

تُدوِّن فيه السماءُ خواطرَ عليا، أُقلِّبُ

أحوال قلبي على شجر الجوز: خال ٍ

من الكهرباء ككوخ صغير على شاطىء

البحر. أسْرَعَ، أبطأَ، أسرعَ أمشي”.

المشي هنا، يؤدي إلى أيّ مكان، إلى العدم، وإلى إيقاعات، وحركات رمزيَّة من المنفى حيث لا يوجد لديه منزل للعودة إليه:

“أَمشي على شارع لا يؤدي إلى

هدف. رُبَّما أرشدتني خُطَايَ إلى

مقعد شاغر في الحديقة، أو

أرشدتني إلى فكرة عن ضياع الحقيقة

بين الجماليّ والواقعيّ”.

“المنفى” يقود إلى أربعة اتجاهات، آخرها هو التفاني كما يقول إدوارد سعيد، الذي كان صديقاً لدرويش، والذي وافته المنيَّة بعد صراع طويل مع مرض السرطان عام 2003، والذي كان مثل درويش مدافعاً فعَّالاً عن القضيَّة الفلسطينيَّة، حيث كتب الكثير عن مسألة النفي والخسران، في الجزء الرابع والأخير، وفي هذا “الطباق” كما يقول إدوارد سعيد، يحكي الشاعر عن لقاء له مع صديقه في نيويورك:

“هناك على باب هاوية كهربائيَّة

بعلو السماء التقيت بإدوارد

قبل ثلاثين عاماً

وكان الزمان أقلَّ جموحاً من الآن

قال كلانا:

إذا كا ماضيك تجربة

فاجعل الغد معنى ورؤيا

لنذهب،

لنذهب إلى غدنا واثقين

بصدقِ الخيال ومعجزة العشب”.

وتستمرُّ القصيدة كما لو أنَّ صوتي الرجلين قد نسجا في صوت واحد، بحيث يصبح من الصعب تمييزهما. وعلينا أن نمعن النظر في الكيفيَّة التي جعلت هذين الرجلين القادمين من تجربتين مختلفتين يشتركان في الخبرة المشتركة للمنفى واللغة والأمل الذي يسمح:

” إذا متُّ قبلك

أوصيك بالمستحيل

عندما زرته في سدوم الجديدة

في عام ألفين واثنين، كان يقاوم

حرب سدوم على أهل بابل

والسرطان معاً. كان كالبطل الملحمي

الأخير يدافع عن حق طروادة

في اقتسام الرواية”.

لم يكن درويش ساذجاً ليفترض أنَّ التغيير الجذري سيأتي في أيَّة لحظة، ومع ذلك فهو متفائل بما يكفي لما يتفق عليه كلُّ الناس بأنَّه حلم مستحيل: كقيام الدولة الفلسطينيَّة وحق العودة لجميع من يعيشون في المنفى. إنَّ وعي ما بعد المنفى هو بحدّ ذاته وعي رثائي، إنَّه حنين للمستقبل الذي لن يراه: مستقبل مفعم بالأمل دائماً، حتى وإن كان بعيداً عن جيله، فإنَّه لن يكون بعيداً عمَّن خبروا هذه الحياة.

في الكثير من قصائد (كزهر اللوز أو أبعد) نرى تشظي الصوت المفرد وانقسامه إلى عدد وافر من الأصوات، هذا الانغلاق على الذات “يعلن عن نفسه وبلا رحمة”، حسب تعبير أدورنو، لكنَّه يشظي نفسه. إنَّ ذاتيَّة درويش مجزأة ومتنافرة في آن معاً، إنَّها تشكّك بوجودها ضمن فئات كبيرة جداً من المجتمع والأمَّة واللغة. (كزهر اللوز أو أبعد) تظهر هذا التنافر من خلال النموذج ذاته، حيث تنقسم المجموعة إلى ثمانية أقسام: “أنت”، و”هو” و”أنا” و”هي”، والأجزاء الأربعة الأخيرة من تسلل “المنفى”. إنّه صوت شعري يختبر نفسه من خلال طبيعة اللغة. إنَّ إزهار اللوز هو أيضاً اختبار أوسع وأكبر من تلك الأصوات الموجودة خارج ذاته، ولعل “الجداريَّة” أفضل مثال للصوت الشعري الذي يتمرَّد على النفس من خلال التناقض والتساؤل والسخرية.

لكن كيف تمكَّن الشاعر من التغلب على هذه الانقسامات؟ وكيف هزم انكسار النفس الذي يفرضه جو المنفى؟ أولاً وقبل كلّ شيء، لا توجد إجابات حقيقيَّة عن مثل هذه الأسئلة. ما يزودنا به درويش ما هو إلا مجرَّد وسائل بسيطة، يمكننا من خلالها استجواب وطرح الأسئلة حول اللغة والوطن والهويَّة، وهو يفعل هذا من خلال الصوت. ومع ذلك لا يمكننا الوصول إلى أجوبة. ما الذي أعنيه بالصوت؟ يمكنني تحديده بأنَّه تلك النواة المتميزة للنفس التي نستطيع استخلاصها من الأعماق السحيقة للغة. الشاعر روبرت دوكان قال ذات مرَّة إنَّ مفهوم الذات هو مجرَّد خدعة بسيطة تلعبها اللغة علينا. وهذا هو ما أعنيه تماماً بالصوت في مقابل اللغة. اللغة عبارة عن وسيط شائع مألوف، وسيط مشترك،  بينما الصوت هو ما يميز نفسه عن اللغة، ومن خلالها بالضرورة، من خلال ذلك ينحت الصوت من اللغة ما نسميه “الذات” أو “فرادة” شخصية الشاعر، لكنَّ فعل ذلك يجعل النفس على وعي بطبيعتها المجزأة والوهميَّة. وكما يرى سلافوي جيجيك في فيلمه (الدليل المنحرف للسينما)، فإنَّ الصوت ليس مجرَّد عنصر جزئي في الذات، وإنَّما عنصر جوهري وأساسي لشخصيَّة المرء. لكنَّه في الوقت نفسه غريب جداً علينا. فعلى الرغم من أنَّ الصوت يبدو لنا أنَّه ينشأ من النفس، وأنَّه يمكننا التعرُّف عليه بسهولة، إلا أنَّه ليس متعلقاً بالنفس، بل غريب جداً عنها، ويحتاج إلى المراقبة والضبط. والصوت الشعري ينشأ من خلال عمليَّة مستمرَّة من التساؤلات، وهو ما جعل جيجيك يدعو إلى تدجين الصوت. هذه الأسئلة ذات صلة بلغة المنفى، لأنَّ المنفى موجود على بعد خطوة واحدة من اللغة. درويش يعود مراراً وتكراراً لأسئلة اللغة والصوت، ولكن أيضاً اللجوء إلى العنف من أجل امتلاك الصوت، أو القتال من أجل الحق بامتلاك هذا الصوت. لم يكن درويش غريباً على الاعتقال، بل إنَّ جزءاً كبيراً من اعتقاله يعود إلى أنَّه كان شاعراً.

انظر إلى قصيدته الأولى من مجموعته (نهر يموت من العطش) (البنت / الصرخة):

“على شاطئ البحر بنت، وللبنت أهل

وللأهل بيت. وللبيت نافذتان وباب…

وفي البحر بارجة تتسلى بصيد المشاة

على شاطئ البحر. والبنت تنجو قليلاً

لأنَّ يداً من ضباب

يداً ما إلهيَّة أسعفتها، فنادت: أبي

يا أبي، قمْ لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا”.

ومع ذلك لم ينجُ الأب وابنته، بل أصبحا ضمن مجموعة أخرى من إحصاءات حسابات الحرب

“يطير بها الصوت أعلى وأبعد من

شاطئ البحر. تصرخ في ليل برية

لا صدى للصدى

فتصير هي الصرخة الأبديَّة في خبر

عاجل لم يعد خبراً عاجلاً عندما

عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب”.

الصراخ هنا يحلُّ محلَّ اللغة، الصراخ كناية عن أولئك الذين لا صوت لهم، ولا قدرة لهم على التحدُّث ضدَّ ويلات الحرب والعنف. فشل اللغة هو تراجع يبدو هراء مروعاً من الصراخ. آخذين بالاعتبار قصيدة (روميات أبي فراس الحمداني) من ديوان (لماذا تركت الحصان بعيداً؟):

“صدى راجع. شارع واسع في الصدى
خطى تتبادل صوت السعال، وتدنو
من الباب شيئاً فشيئاً، وتنأى
عن الباب. ثمَّة أهل يزوروننا
غداً، في خميس الزيارات”.

موضوع الصدى، وظلُّ صوت العائدين إلى ديارهم، ما يزال مستمراً، لكنَّه هذه المرَّة يصبح قضيَّة اللغة ذاتها:

صدى

للصدى. للصدى سلّم معدني، شفافية، وندى

يعجُّ بمن يصعدون إلى فجرهم… وبمن

ينزلون إلى قبرهم من ثقوب المدى…

خذوني إلى لغتي معكم: قلت.

لكنَّ درويش لا يمكنه أن يصل أبداً إلى لغته، أو يعود إليها بشكل كامل، ذلك أنَّه لا جدوى لـ”اللغة” دون شعبها. ففي “الجداريَّة” نجد درويش بعد العملية الجراحيَّة يقف على شفا الموت، لا يطلب شيئاً سوى العودة إلى لغته:

“لا أريد الرجوع إلى بلد

بعد هذا الغياب الطويل

أريد الرجوع فقط

إلى لغتي في أقاصي الهديل”.

لكنَّ العودة مستحيلة، ما تبقى هو مجرَّد صدى، صوت يتردَّد في الداخل والخارج، فالجداريَّة هي وداع بين الداخل والخارج. هناك علاقة جوهريَّة بين الشاعر وشعبه، لكن حين يصبح هذا الارتباط مجرَّد سؤال حول ما هو موجود في المكان، يصبح عبارة عن صدى طيفي لا يمكن ردم هوَّته دون اللجوء إلى التجريد. ما تبقى  مجرَّد استكشاف لم ينجح سوى في رفض ما تبقى من الصمت، ومفارقاته المعقدة. كريسويل، في مقاله المشار إليه سابقاً، يتتبَّع خطى مترجم محمود درويش،  فادي جودة الذي كتب عن الملاحم الغنائيَّة لدرويش.

فادي جودة يرى أنَّ ملاحم درويش الغنائيَّة مستعارة من الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، الذي التقى به درويش في أثينا بعد طرد منظمة التحرير الفلسطينيَّة من بيروت عام 1982. لقد وجد درويش أنَّ عبارة ريتسوس قد استطاعت بالفعل الوصول إلى ما يريد الوصول إليه في شعره في تلك الفترة: مزيج من الصوت الخاص،  الملتحم مع الضمير الجمعي في مواجهة الخسارة والحداد.  إنَّ العديد من قصائد درويش الطويلة التي كتبت في التسعينيات هي ملاحم غنائيَّة، بهذا المعنى. إنَّها رموز من التجربة الفلسطينيَّة كما يراها من منظور التاريخ الأندلسي، أو استلاب الهنود الحمر، أو الأسطورة الصوفيَّة المستوحاة من “منطق الطير” للشاعر الفارسي فريد الدين العطار.

هذه الفجوة بين الذات والناس، هي التي يوجد فيها الصدى، وهي المسافة بين الشعر الغنائي والشعر الملحمي. وهي التي قال لي عنها زميلي كيفين لامبرت قبل الشروع في كتابة هذه الدراسة، فقد قال لي يمكن قراءة الصدى على أنَّه رمز من رموز الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ذاته. لقد كتب لامبرت يقول: “الإسرائيليون يفعلون والفلسطينيون يستجيبون ويتفاعلون، لكنَّهم لا يبدؤون، إنَّهم غير قادرين على الوصول إلى الماضي الذي اختفى إلى الأبد والمستقبل الذي يظلُّ دائماً بعيد المنال”. الصدى، بكلمات أخرى هو مجرَّد شبح، شبح الماضي/ المستقبل، وهو الذي يذكر درويش وقراءه بما ضاع، وما لا يمكن استرجاعه.

الصدى هو الصوت المتصدّع، هو قبول الذات المنقسمة التي لا توجد إلا من خلال مرآة اللغة. لكنَّ الصدى يتمثل أيضاً في تلك المسافة بين الصوت الشعري والجسم الجماعي الأكبر للغة، وهو أيضاً تعبير عن المسافة بين الشعور الذاتي لدرويش وبين ذاته. الذات عبارة عن شبح في آلة اللغة، وهو ما يتماشى مع الرواة في قصائد درويش الذين يعترفون بأنَّهم أشباح.

أطلُّ كشرفة بيت على ما أريد

أرى شبحي قادماً من بعيد.

وفي “الجدارية” نرى الشاعر غير قادر أيضاً على العثور على نفسه في مرآة اللغة:

وجلست خلف الباب أنظر

هل أنا هو؟

هذه لغتي

وهذا الصوت وخز دمي

لكنَّ المؤلف آخر

هذه الذات الشبحيَّة موضوع معقد يلتقي فيها الموت والنفي واللغة وفقدان الوطن، وهي التي خلقت هذه الازدواجية عند الشاعر. فشعر محمود درويش هو نتاج هذه التوترات، توترات لا يمكن حلها من خلال الشعر ذاته، لأنَّ الشعر بالنسبة إلى درويش ليس هروباً من العالم، بل وسيلة لمواجته. وهو في العديد من النواحي توثيق صادق قليلاً ما نجد مثيلاً له في الأدب العالمي، وهو مطلب ملحٌّ، يجب أن يلقى الاهتمام الذي يليق به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*