الرئيسية | سرديات | بحيرة العيون | محمد خضير

بحيرة العيون | محمد خضير

محمد خضير (العراق):

 

  1. بحيرة العيون

سلّط الطبيب مشرطَ الليزر على حدقة العين، فصنع الشعاعُ بحيرةً من المُقَل المائجة في محجر يفيض بسائل حبريّ أحمر رقراق. سطع قرصُ الشمس عند الحافة البعيدة من المحجر، ثم استحال فُرناً يدفق بحممه ويصبّها قرصاً فقرصاً في المحجر المتموج بحدقات العيون. فارت البحيرة بما صُبّ فيها من عيون، وتصاعد من الفرن بخار أحمر غشى قرص الشمس.

يوماً ما ستولد من هذا الفجر الأحمر نظرات جديدة للعيون: همستُ لنفسي تحت مشرط الطبيب. سمعتُ الطبيب الجراح يقول لي: “رقّعنا لك عدسة نسر، يا ديدبان”. ورأيتُ قاربه يتمايل في وسط البحيرة المائج، تلطمه الحدقات السابحة بأهدابها الحمر المتوهجة وتدفعه إلى الحافة المقابلة للفرن.

دام الشعاعُ الليزري لحظات قصيرة، إلا إنه فاض على المحجر الرقراق بمئة وأربعين حدقة من عيون المشنوقين المقلوعة في سجن البحيرة. سمعتُ الطبيب يواسيني: “أفلحنا في اصطياد الحدقة المناسبة لعينك. إن بصرك بعد اليوم حديد”. ثم رأيته يترجل من قاربه عند الطرف الآخر من البحيرة، ويتوارى حاملاً شبكته الملأى بالعيون.

  1. مقلع العيون

نُقلت الجثثُ ليلة الأربعاء من غرفة الإعدام إلى مقلع العيون المرفق بالسجن المركزي. سبعون جثة سُجّيت على دكّات المقلع المرمرية، عشر من كل فئة مشنوقة: المنجّمين والخلوتيين والصفّارين والجفريين والركنيين والدهريين، إضافة إلى جماعة من القلندرية.

أُحضِر الأطباء القلاعون في حافلة مصفحة عند منتصف الليل، وأشرف ضباطُ السجن على تغطيس العيون المقلوعة في حوض زجاجي كبير. سبحت الكُرياتُ المقلوعة من الجثث في المحلول النقي ثم اختلطت في بحر أحمر رقراق كالحبر، وما زالت الحدقات البارزة تعكس نظرتها الفرقدية بالتماع شديد، بعد أن قُطعت عروقُها من محاجر سرّها ومكامن فكرها. لكنها ما لبثت أن انطفأت تحت الضوء الساطع لمصابيح المقلع المسلطة على الحوض، وأسبلت سوادَها على بياضها، وزرقتَها على صفرتها، وخبا سطوعها وعجبها من غرقها في حمرة السديم واستقرارها في قاع الحوض العكر.

استغرق عملُ الأطباء الليل بطوله، ثم غسلوا مشارطهم ومناقيرهم وأقماعهم وأرجعوها إلى أماكنها في العلب الفضية المختومة بشعار السجن (النسر، مع عبارة: العين بالعين) وأعيدوا إلى بيوتهم بالسيارات المعتمة نفسها. عملوا بجدّ وصمت، خلال ساعة العشاء التي تناولوا فيها حساء ثخيناً وخبزاً أسمر في مطعم السجن. كانت قطع البصل تطفو على سطح الحساء كحدقات مطفأة. شربوا شاياً ثقيلاً في أكواب تحمل رسم شعار السجن، وخلال ذلك ناقشوا أصول طقس اقتلاع العيون البربري بمهنية طبية فاترة. أؤتمن الأطباء على كتمان الطقس، بل النسيان التام لشعائر الإعدام الأخيرة. لكنهم تطرقوا في حديثهم الخافت إلى انتزاع الأسرار قبل التفاف الحبل حول الأعناق، وتبخّر الصور من الحدقات حال تغطيسها في محلول الفورمالين. ما اختلاف الطقس البربري عن الجريمة الطبية المتقنة؟ كتم الأطباء المسألة وواصلوا عملهم.

سينتظر السجانون شروق الشمس، بعد انصراف الأطباء، ليحملوا حوض العيون المقلوعة ويفرغوا محتوياته في المجرى المتصل بالبحيرة المتاخمة للسجن. ستسيح الكرياتُ الطرية وتختلط بمياه البحيرة المائجة بالحدقات، خاشعةً راجعة لبصرها في مولد كل يوم جديد.

  1. النوتي

دار حراسُ السجن دورتهم الليلية المعتادة على جثث المعدومين، وجاسوا خلال مقلع العيون بجزماتهم البلاستيكية ومعاطفهم الجلدية الصفر ذات القلانس. لم يمنع تشابه الجثث واستلقاؤها على ظهورها الحراسَ من غرز أصابعهم في المحاجر الفارغة وتلمس برودتها وظلامها وانطفاء شعلة الأفكار التي كانت تتوهج في جماجمها. كان واجبهم المرموز ب “دورة الرحمة الأخيرة” ينحصر في إعادة الرؤوس المكورة الحليقة إلى استقامتها على الرقاب المفصومة، وانتزاع الأقراص التعريفية منها لكي تتساوى الجثث الباردة في مجهوليتها الأبدية، قبل أن تُنقل بعد ساعات لدفنها في حفرة جماعية، فتُختتم بذلك واحدة من شعائر الأربعاء البربرية.

رتبت إدارة السجن واجبات ليلة الإعدام بتتابع زمني صارم، لا تفلت منه حلقة لطارئ ليس في الحسبان، كالطارئ الذي دخل على الجثث السبعين المسجاة في مقلع العيون. سيفتقد الدفّانون في الحلقة الأخيرة من دورة الأربعاء اثني عشر معدوماً سرّبتهم روحٌ متسللة إلى محجر السجن قبل نقلهم في وجبتين إلى قبرهم الجماعي. ما حدث في ساعة الفجر من تلك الليلة أوقف أحكامَ الإعدام غير المنفَّذة إلى وقت غير محدّد، وقلب نظامَ السجن رأساً على عقب. كان السجن المركزي قاعدة الهرم البربري، فلما خُرقت بذلك الحادث القدري، تصدع قضاؤه واختلطت الأحكام المبرمة بتلك المفاجِئة.

سنطلق على هذا المتسلل الغريب اسم (يوحنا النوتي) وننسبه إلى أسرة بختيشوع الطبية التي خدمت في البيمارستان الذي أنشأه هارون الرشيد في بغداد. أطبق النوم على برابرة السجن، فتسللت الروح إلى المقلع، واختارت اثنتي عشرة جثة من الفئات المعدومة، وأركبتها القارب المنتظر في دجلة، وانحدرت بها نحو واسط، مع شروق الشمس. سنخصص لهذا الفرار سطوراً في تاريخ الأسرة البختيشوعية التي طُبّقت أبحاثها لعلاج المرضى المجانين والمجذومين في بيمارستانات الخلافة العباسية. فإن شكَّ بعد اليوم مؤرخ يحقق في هويات الأطباء الذين اقتلعوا عيون سجناء السجن المركزي بانتسابهم إلى الحلقة المفقودة من سيرة الطقوس البربرية، فإنه لن يخطئ في ضمّ النوتي المنقذ إلى جماعة طريق البشارة.

  1. حقل العيون

أنزل يوحنا النوتيّ العميان الاثني عشر في حقل متموج بالسنابل الناضجة في ظاهر بغداد، ثم غادرهم بقاربه. جلسوا في مهب الريح التي نقلت إليهم أجراسَ قافلة بعيدة.

قال أحدهم: “إني أبصرُ حقلَ سنابل اقترب أوانُ حصاده”. أجابه قريبه الأعمى: “إننا على طريق البشارة. أتسمعُ الأجراس؟”. تساءل آخر: “كم عددنا؟”. تلمس بعضُهم أطراف بعض، ثم ضحكوا من طريقة فرارهم، فقد مسَّ أجسادهم الراقدة في مقلع العيون طرفُ عصا، هي أشبه بعصيّ الرعاة.

قال أحدهم: “”طريق الفرار هي طريق البشارة، أنحن قريبون من مذود يسوع الناصري؟”. قال الذي ابتدأ الكلام: “بل إني أبصرُ حقلاً من العيون. سنابل ذهبية تتمايل وتنحني بآلاف العيون المفتوحة”. قال أعمى: “هذا ما حلمنا به في مرقدنا في السجن، رأينا سبع سنابل خضر وأُخر يابسات. أتقول إنها تحمل عيوناً؟”. أجابه: “آلاف العيون. بحر من العيون”. تساءل مبصر البشارة: “أنحن على طريق بيت لحم، هل أبصرتم نجوماً في السماء؟ إني أسمع أجراساً”. قال مبصر السنابل: “نحن في النهار، أنظروا إلى عيون السنابل ترقبنا وتهيب بنا للمسير. هيا انهضوا لمواصلة المسير”. قال أحدهم: “أين صاحبنا النوتي؟ أنستطيع السفر بمفردنا؟”. قال آخر: “ربما ضللنا الطريق”. أكد صاحب البشارة: “لنتبع أجراس البشارة. طريق الفرار هي طريق الحكمة. ألم نُشنق بسبب بشارتنا؟”. قال الضال: “إنما شُنقنا لضلالتنا. وأخشى تيهنا إن كنا متجهين إلى مصر”. قال أحدهم: “لن نضلّ ونحن عصبة. كم عددنا؟”.

لم يردّ عليه العميان المتلازمون في حلقتهم وسط حقل القمح، وأصغوا إلى الرياح تصلصل برؤيا الحصاد الوشيك، وتنفخ في ثيابهم الخلقة رائحة القمح المخلوطة برائحة المرّ واللبّان. فإن كانوا سمعوا هتافاً بالنهوض، فقد سمعه قبلهم مئات المشنوقين الذين نقلهم النوتيّ على طريق الفرار والبشارة، وزودهم بمزاود يجمعون فيها سنابل العيون المحصودة من الحقل نفسه.

  1. البشارة

شاهدتُ قارب الطبيب اليشوعي يشقّ الأمواج الطافحة بأحداق العيون في البحيرة الحمراء التي يسلط عليها قرصُ الشمس شعاعه كعين فُرنٍ ينفث بخاره فيجعلها تفور وتتماوج كحقل سنابل القمح. اغترف الطبيب مما حوله حتى امتلأ قاربه من المُقَل التي لم تفقد صور بشارتها. أرسى القاربَ على الكتف البعيدة للبحيرة ثم ارتقى الدرجات المؤدية إلى مقلع العيون، حاملاً شبكته المنضَّدة بمئات الأحداق. ألفى الأجسادَ الشاحبة على رقدتها منذ عشرات السنين، مقلوعة العيون، بعد انهيار السجن واندثار طقسه البربري. طرح شبكتَه في محلول حوضٍ زجاجي كبير، وبدأ بردّ البصر إلى المغارات الفارغة في الجماجم المفصومة عن الرقاب.

توقف أخيراً عند رأسي ورقّع عينيَّ بعدستين استخرجهما من الحوض. انحنى على جمجمتي وقال: “عندك ينتهي عملي أيها الديدبان. وعندما تسترد بصرك، فلتضِفْ هذه السطور إلى سيرة المشنوقين، عسى أن يهتدوا بها في سفرهم على طريق البشارة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*