الرئيسية | موسيقى | الموسيقى الشرقية إلى أين؟ | بسنت حسين – مصر

الموسيقى الشرقية إلى أين؟ | بسنت حسين – مصر

بسنت حسين

 قد تستلزم الإجابة العودة للوراء، حوالي خمسة قرون، فبينما انشغل العرب في الفتوحات العثمانية والتي استمرت لعدة قرون، مستهدفة التوسع بالخلافة العثمانية يمينًا ويسارًا، كان الغرب يصنع ثورة فكرية جديدة وشرارة لعالم نحياه الآن. بدأت هذه الثورة الفكرية بالموسيقى، كأول فن يمكنه التجريد. لكن سبق هذا التجريد إرهاصات متعددة بداية من ظهور “موسيقى الآلات” كأهم إنجازات عصر الباروك ونشأة الأوبرا في أوائل القرن السادس عشر ميلاديًا وظهور الhernia كأول أغنية منفردة داخل عرض الأوبرا وظهور فصل واضح بين الموسيقى والكلمات، فلم تعُد الموسيقى عبارة عن صوت إما بشري أو صوت بشري مصاحبًا بالآلات.

تحررت الموسيقى قبل قرون من تحرر البلاد الأوروبية من عصور الظلام ولم تعد حبيسة أسوار الكنيسة ولخدمة الإنشاد الديني فحسب، بينما وقع العرب في فخ “التحريم” للموسيقى ووضعها في مقام اللهو والترفيه. فصارت الموسيقى لا تُعزف إلا لرقص الجواري أو لتطويع إنشاد مؤدي.

أخذت الموسيقى الغربية في التطور بداية من عصر الباروك تطورًا سريعًا، فبعد موسيقى الحجرة (مجموعة من الآلات تعزف لكن كل آلة تعزف جزءا مختلفا عن باقي الآلات) وموسيقى الأوركسترا (مجموعة من الآلات تعزف لكن هناك آلتين أو أكثر تعزف نفس الجزء سويًا)، ظهر في العصر ذاته الكونشيرتو (متتالية موسيقية بها أكبر تجمع أوركسترالي)، وتنوع فيما بينه إلى ما : كونشيرتو سولو (آلة تعزف منفردة مع الأوركسترا) وجراند كونشيرتو (أكثر من آلة تعزف منفردة) وكونشيرتو أوركسترالي (تكون آلة الكمنجة” سوليسيت” هى الأهم).

توالت العصور الموسيقية سريعًا إلى العصر الكلاسيكي والعصر الحديث وتنوعت المُسميات والآلات الموسيقية، بينما اختفت مقامات شرقية كثيرة وانحسرت، كما تراجعت قوالب غنائية تعتمد على العزف في المقام الأساسي كالموشحات (آخر إرث موسيقي شرقي من حضارة الأندلس).

تراجعت الموسيقى العربية لقرون عديدة، وتراجع الإحساس بقيمة الموسيقى كفن منفرد، فلم نجد عزف شرقي أو أوبرا لموسيقى شرقية كما الحال في الموسيقى الغربية، وعندما عزم الخيديوي إسماعيل لإقامة أوبرا مصرية “أوبرا عايدة” كان فيردي هو صانعها.

يمكنا القول أن التأليف الموسيقي مصطلح لا يمكن تطبيقه إلا في حالات درامية (كجزء في الدراما) أو لصناعة أغنية، فتكون الموسيقى جزءا من العمل الفني وليس عملًا فنيًا مستقلا بذاته.

نما الإحساس بأهمية الموسيقى العربية في أواخر القرن الماضي في مصر منذ نشأة فرقة الموسيقى العربية عام 1968 إلى الآن بقيادة المايسترو عبد الحليم نويرة، حيث يقوم بتقديم القوالب الغنائية المختلفة من موشحات وغيرها لإعادة إحياء تلك القوالب الفنية للأجيال الحالية. وكذلك مهرجان الموسيقى العربية، الذي يهدف لنفس الشيء، لكننا بصدد إحياء قوالب غنائية وليس الموسيقى العربية والمقامات الشرقية ذاتها.

منذ ديسمبر 2010 وعت تونس لأهمية الموسيقى العربية فأقامت مهرجان أيام قرطاج الموسيقي، والذي أُجري إلى الآن أربع دورات منه، كما تزامن معه مهرجان أيام قرطاج للسينما والمسرح. وتضمن برنامج الدورة الأولى لأيام قرطاج الموسيقية ثلاث مسابقات واحدة للأغاني وأخرى للمعزوفات وثالثة للعزف المنفرد على آلة العود، وبذلك تكون تونس هى أولى البلدان العربية التي وعت لقيمة فن الموسيقى وأخذت على عاتقها إعادة إحياء الموسيقى العربية.

و توالى الإهتمام بالموسيقى العربية مع جائزة محمود القطاط للعلوم الموسيقية عام 2016 كجزء من فاعليات أيام قرطاج الموسيقية، لكنها في دورتها الثانية قد أصبحت حدثًا ثقافيًا مستقلا بذاته، يهدف إلى البحث الموسيقي على مختلف مجالاته وتفرعاته المعرفية، وهذا حسب تصريحات الدكتور سمير بشة رئيس لجنة إسناد الجائزة الدولية للموسيقى بتونس، والذي أكد على أن الإعلان عن الفائزين بالجائزة في دورتها الثانية، التي تنظم فعالياتها بالتعاون بين المعهد ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية ووزارة الشؤون الثقافية ممثلة في المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، سيكون يوم 7 ديسمبر 2018 بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية “قصر النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد”.

في انتظار نتائج الدورة الثانية وبالتوفيق لكل المشاركين، كما نتمنى تفعيل دور البحث الموسيقى للارتقاء بالموسيقى العربية والشرقية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*