الرئيسية | شعر | اللسان الصوفي | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

اللسان الصوفي | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

حمودي عبد محسن

1 ـ غراب الليل

أي ليل هذا الخريف ، يذهب ويؤوب
تارة يذهب أكلف ، وتارة يؤوب أغدف
تارة يذهب باكيا ، وتارة يؤوب ضاحكا
دائما يذهب ، ويؤوب بالنبأ الحزين
كما لو أن الدهر قد خبأ لي عجبا
أرعى أرق ليلي الطويل في سهر
أهو حلم شاحب منهك مثل غمام
أهو رؤيا فظيعة في عالم الأموات
أم طيف سحابة سوداء تسبح في العلا
أم غياب عابر لشبح يحلق مثل دخان
قد يكون ظلا باهتا يتنازع في أعماق
وقد يكون سأمي الواهن يهز الأحزان
هذا ليل اكتحل بإثمد ، اكتحل بقار
ليل حالك السواد ، ليل دجى الظلام
ليل قهر ألبسني ثوبا متمزقا من سواد
غشى عيني في عتمة ، لا أرى سواه
لا أرى إلا فحمة تشتعل في نار
فطواني في سكون ، وفي أمواج بحار
لا أملك ترسا معي ، ولا سيف بتار
أحارب وحوش أو عفاريت الظلام
ولا أحسن الاستقرار على سرج حصان
وكل ما أستطيعه أن أقطع البيداء في جنح الظلام
وأرهف السمع إلى الحداء في قلب الصحراء
أو أستقر فوق عربة الموتى التي يجرها حصان
حصان متعب هزيل ، يهز ذيله ، وقد أزعجه اليراع
هذا الحصان لا يصهل أبدا في بيداء نكداء
أي ليل هذا الخريف ، يذهب ويؤوب
يؤوب بغراب الليل في ظلام كالح أسود
أهو الزاغ الأكحل أم الزاغ الأزرق
أم غراب البين أقرانه غدفان اللئم
أقرانه ابن داية غربيب في الشأم
يأتيني بالنبأ الكئيب ، يلقيه للحزين
شاجح يتعبد ، فهو من لئام الطير
يؤذن للعذاب ، أشك بصدق نواياه
أشك بكذبه ، وأشك بأي خطاه
فهو مثل دجى الليل في طول وقصر
تشبه بالبوم ، تشبه بصفاء العين ،
قوي ، نافذ البصر ، له منقار ،
يبغي كل لمعان ، كل براق في ليل أعور
أيعقل أن يغربل الماء بالغربال الأسود
أو يخلط الحليب بالدم الأحمر
أو أن يكون النور من ظلام
أو أن يكون الخير من شر
أو أن تكون الجنة من نار
أو أن تكون الرياح صماء ،
خرساء دون أصداء أشباح
أي ليل هذا الخريف في دجى الظلام
يعالج الموت غراب أسود
مثل كاهن مشعوذ مسحور أحمق
تصبرت ، وتشجعت …….
وكل ما هو آت آت …….
إنه جاء من نار خمدت توا
أي ليل هذا الخريف وقد أظلمت السماء
أيريد القمر أن يمتلأ ضياء من ظلام
أم أن القمر استتر خجلا بالغمام
أم غابت الشمس وغاب القمر الوضاء

2 ـ الغادة الحسناء

أيقظ نعيب الغراب حبيبتي السوسنة البيضاء
وقد أبرقت أسارير وجهها في ابتهال :
من في سماء ، من في سماء حبيبي
مه مه ……… بخ بخ ………..
فارتسمت على وجهها ابتسامة ضياء
نور / شعاع / قمر بازغ / نجم متلألأ /
درة نادرة مضيئة / ملائكة ساحرة /
حينئذ توارى شبح الغراب الموت
توارى حلم / رؤيا / طيف /  هذيان /
تأمل نكد /  زائر الظلام الموحش /
همس عذاب السنين / أسى الفناء /
آه ، يا بديعة الجمال والحسن حبيبتي السوسنة البيضاء
رائعة ، بارعة في قبة السماء
ها ، ولد ليل جديد في رحم الظلام
وهاج حمى الغرام في الصمت العجيب
أهذا الضوء سجد له الظلام
أهو نفحة من قداح
أهو حر الغرام
أم أريج راح وضاح
منه الظلام يستضاء
أي ليل هذا العميق
يمر كأنه أنسام روض رقيق
بطيء كأنه من الصباح يستريح
إنه ليس سواد الليل المطيق
ولا الظلام على غصن رقيق
القلب لا يستريح في الليل الطليق
والدموع تبيح ما في القلب الحزين
سقت الأرض ماء الجفون الغزار
رياض امتلأت أزهار
أشجار نضجت بالثمار
وصوغ للعروس أسوار
وخاتم الزواج اللامع
ماذا جنيت يا وطني الكبير …
انتظار طلوع الصباح
بزوغ شمس النهار
عيش غر نظير
قمر باهر منير
هذي الديار أحرقتها قنابل الأخوة الأعداء
قتل / انتهاك حرمات / بيوت تشب فيها نيران
آه ، يا وطني الكبير ! في كل يوم يموت الأبرياء
زه … زه … زه …
نطقت حبيبتي السوسنة البيضاء الكلمات
الليل يغازلنا بنوح طائر نشوان
سحره في نداه على البان البليل
يخصفنا بأوراقه على السرير
مثلما تخصف أصابع الحبيب الحبيب
مثل ناسك متعبد يحترس من عفريت
يشق نطاقه ، ويلبس ثوب حرير
ماذا تريد أيها الحبيب ؟!
آه ، رفقا بالهلال الخصيب
العشق الطليق على الغصن الرطيب
بالتثني الجليل الرقيق
هذا ما أراه في الليل العميق
لي عين لم تكتحل بنعاس
أليف الغرام في هواه
رضاب الحبيبة أحلى مشتهى
وأشهى من مسك عتيق
وأعطر من زهر فتيق
ألف ضمة بأزار الليل العجيب
كأننا الأنجم في طلوع
ثم نسترخي على الدهور
ثم قالت ما قالت في همس معبر :
جيء ، جيء ، جيء
فقد ابتسمت فرحة ، وبطرف عينها أومأت
جيد خضيب ، صدر صاف أنيق
خصر أهيف مثل قضيب في تثنيه
كأن رياح تهزه ، وينعطف في كثيب
وقد أصبحت لا أدري أين مورد الطيب
سواء كان طعاما أو شراب عشيق
وقد نال منها ثغري لثما في تهذيب
كأنه يطفأ ظمأه من قطر ندى على زهر
أو في دموعي أنا على نحر
أو من طل جلنار على ورد
وصار لثمي يبرق من برد على حر صدر
فهذا جؤجؤها فرحان ، يتوقد مثل سراج
تعلوه رمانتان ناهدتان
برأسيهما قرادان غاضبان
فلما رأتني كعادتي قد فتنت بهما
أومأت لي عن قراد أشهب
كاد من حمرة نار يلتهب
ومن حمرة جلده ينقصف
هذه ليلة الليلاء توقدها ثريا بيضاء
يا منى قلبي ، فما يبقى في الحياة
فيض دموع / طرد هموم / كرم الأصيل /
نار وماء / هواء وتراب / برق في نسيم /
في هذا الصباح ما في الحياة
نخرج إليه متعانقين مثل الخيزران
من مستودع فراش الحنان

3 ـ الصباح

ما هذا الذي يجري في الصباح
حيث كل شيء أصبح للغربان مباح
تهب ريح صفراء ، تهب الرياح من شمال
من شرق ، من غرب ، من جنوب
أينما أولي وجهي أرى خراب ودمار
وتنطق الشفاه : بغداد دار السلام
أسرتي قلبي يا غادة حسناء بغداد
كامنة في نفسي مثل شعلة نار
أينما أولي وجهي أرى أشباحا
تظهر وتختفي في الليل والنهار
مثل قمر يحرق نفسه في عنان السماء
هذا الصباح تعرى من ثوب أسود
وبان البياض ، وبان الغراب من أوكار الظلام
أينما أولي وجهي لا أرى أزهارا
ولا أرى حدائق العشاق
أرى مخلوقات مخيفة مثل أشباح الموت
تطارد عطر النسيم وابتسامات العذراوات
والغرة العليلة من أنفاس الأبرياء
وإذا البنفسج تخضل بالندى مصيره الفناء
أهذا الصباح الصادق تبكيه السماء
وقد غابت نجوم صغار وكبار
وما بقي في السماء إلا نجم الصباح
ولم لا تكون بغداد فلكا ثابتا في السماء
أو يدور متحركا كباقي الأفلاك
ماذا بقي من العمر يا بغداد
آه ، يا حبيبة قلبي أنت مثل زنبقة بيضاء
تلاطمها الأمواج في ظلام
بريئة ، خالدة ، ملبوسة ببرد الصباح
في ظلك الباهت يسجع طائر مقصوص الجناح
وبين أغصانك تذرف دموع على الأموات
كم مرة تسكنين في صمت الدهور
في صمت الأحزان
واأسفاه ، كيف لا يصبح الليل الأظلم ضياء
وكيف لا يصبح الحجر الصلد أزهار
أستبقين في مصير الموت والطوفان
في هذا النهار ونوره الساطع
إذ لم أر وجوها تبرق باللوامع
ولم أر اخضرار تيجان النخيل الروائع
ما هذا الذي يجري في بلادي
في الوقت السحيق ، في الوقت الضائع
أنت أيتها الغربان ، دعيني أذرف الدموع
فأنا كالطائر المجروح ، كالجائع الظامئ
أينما أولي وجهي أرى الخراب والدمار
دعيني أيتها الغربان المحتشدة على جسد
أن أكمل صلوات الألحان والبكاء
قبل أن تملأ حفر الأرض جماجم
فلا تنفضي ريشك الأسود الكالح
مهلا باللسان الصوفي الحائر
وكفى نعيبا على أبد جائر
أي ، هذا غراب ضخم فوق حائط أطلال
ينعب عن يمين ويسار ، من وراء كل حجر ساقط
يمسح منقاره في رداء ميت خائب
ها قد طار ناشرا جناحيه في الفضاء
أي ، تلك حشود فوق شجرة يابسة
تجيب أحدها الآخر
ثم نعبت بصوت واحد
ووقعت على فريستها تلتقط أحشاء بكل ذكاء
ها أنا أرى غرابين يقتتلان بنقر بعضهما
رافعين هابطين في جو السماء
أينما أولي وجهي أرى غربان سوداء
هذا يطير مستعليا ثم يهبط بسرور
ذاك يزعجه دبيب ذباب
فتمرغ في التراب ، ونقر بمنقاره ،
ومزق بمخالبه ثم طار فرحان
وأنا أذرف الدموع
وأستجلي الدعاء أن تحفظ بغداد في قلبي
آه ، يا بغداد أسرتي قلبي في الليل والنهار

4 ـ الزائر

زارني خفية في المنام طيف خيال
خداع ، ماكر ، كذب الغراب
أشأم من أحمر عاد
وألقى علي سؤال يوافي سؤال
أتنسج بغداد من نجوم على نوال
أم من أعمدة ذات العماد ؟
فصحت صيحة رهيبة من أحقاف:
بغداد ليست مثل إرم ذات العماد
شيدها في أعوام طويلة شداد بن عاد
كما لو أرادها جنة موعودة
في أرض خصب محظوظة بالجمال
مات شداد في الطريق إليها ، ولم ير أرض الميعاد
فصارت مدفونة في كثبان الرمال
بغداد لا تشبه إرم ذات العماد
ولا هي في الربع الخالي بين التلال
ولا اسمها وارد في كتاب الموتى
وكل الأحياء تحكم على الأشياء
سواء كانوا عمالقة النار
أو أولئك الآتين من عزيف الجن والشيطان
أو أصحاب رس الإرهاب أو سارقي أموال العراق
وبغداد ليست مثل صبعة ، وصعرة ،
وعمرة ، ودوما ، وسدوم ،
ضربتها صواعق السماء
ولم يبق منها إلا أبو رغال
فبغداد أنعم مما أنعم من طسم
وليس لها كلب مثل كلب طسم
وعمرها ممدود وأطول من ألف لبد
فقد أهلك الدهر قوم نوح وعاد وثمود
وطسم وجديس وتفرق العماليق
ها قد انهار سد العرم
وتفرقت سبأ في البلدان
لا … لا … لا …
بغداد لها حكمت لقمان كلما ساءت الأحوال
وهبت عواصف الرمال
وعندما تجف مياه دجلة والفرات
في دجى الظلام ، في دجى الظلام
بغداد لها حكمة لقمان ،
حكمة لقمان ، حكمة لقمان
زارني خفية طيف خيال
خداع ، ماكر ، كذاب الغراب
في ليلة السرار
أصم ، أجرد في السراب
مثل ضباب الغموض
خفت أن العطر يتلاشى من غدائر المحبوبة
وتذوب قطرات الندى على ورد الخدود
في الظلام الغشوم
في الظلام الغشوم
في قصف الرعود

5 ـ المغيب

حبيبتي:
أفلا تنظرين هذه الشمس تجنح للظلام، إنها تجري كي تغيب
تجري لمستقرها، ساجدة فوق عرشها، لا يؤذن لها الطلوع
رجعت من حيث جاءت، كي تنشر على الآفاق أثواب الظلام
لا يؤذن لها الطلوع، أنها في سجود ، تبلى ونبلى بالسجود
شمس تغيب، تبلى ونبلى في حلك الظلام ، رغم ذرفنا الدموع
تبلى ونبلى في منازل الغروب حتى تغس الأرض بالظلام
وقد أبطأت الطلوع، إنها ثوت في مستقرها كي تغيب، تغيب
كم عام مضى ونحن في الظلام، الشمس لا يؤذن لها الظلوع
بيننا وبينها خمسمائة عام، أفلا تنظرين الدنيا احتجبت بالظلام
حبيبي:
سوف تشرق الشمس، ستشرق الشمس فوق غابة الظلام
كم عام مضى ونحن في وحشة الظلام، في وحشة الظلام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*