الرئيسية | منبر الموجة | الفعل الثقافيّ ومكيدة الإعلاميين | حاتم التليلي محمودي – تونس

الفعل الثقافيّ ومكيدة الإعلاميين | حاتم التليلي محمودي – تونس

حاتم التليلي محمودي – تونس

شاعر وباحث تونسي

            لم يعد بإمكاننا الآن التحدث عن “الاعلام الثقافي” بصفته منعدما بسبب القمع السياسي أو الرقابة الثقافية، فما قد حصل نتيجة الانفجارات الثورية سمح بمولد عدد مهول من وسائل الاعلام من خلالها نستطيع الترويج لأي عمل ثقافي ما، مهما كانت خلفياته الفكرية أو الجمالية، ولكن يصبح بالإمكان النظر إليه من وجهة نظر نقدية تتطلب صرامة في أحيان معيّنة، فهامش الحريات، وحتى لا ننكر، لم يفتح المجال أمام الأعمال الثقافية الفنّية المقموعة كي نروّجها إلى  القرّاء والجماهير فحسب، وإنما أعطى الفرصة لتكون ثمّة شهرة عالية متعلّقة ببعض تلك الأعمال والحال أنّها لا تمتّ إلى الابداع بأي صلة، إذ صار من حقّ أي كان الترويج للشيء الذي يريده.

            إزاء هذا الأمر، لا يمكننا تشغيل أسئلتنا دون الاشارة إلى مفهوم الثقافة ذاتها، كما لا يمكن النظر إليه معزولا عن سياقاته، إذ ثمّة الآن ثقافات متعدّدة ومتنوّعة، وما كلّ ثقافة تتنزّل ضرورة ضمن المعرفة الانسانية بصفتها مهتمّة بما هو جميل وانسانيّ، وبصفتها أيضا تمثّل جسر العبور إلى المستقبل من بوابة الابداع، إذ ثمّة أيضا  ثقافة جديدة، زمنيّا، قديمة من حيث اعادة تشغيلها إرثا من الظلام، وهي التي سنطلق عليها من باب التوصيف “ثقافة الموت” بما هو يلوح لنا الآن من خلال نزعة عدميّة تجد خيامها في الرّاهن من سجّلات القتل وتشغيل الأصولية وفصل الرّؤوس، ولا يغفل علينا، أيضا، أن مثل هذه الثقافة تجد لها رواجا كبيرا واقبالا متزايدا، كما لو أنّها بضاعة في الأسواق، فلها جمهورها ومريديها ومتّبعيها، ساهم الاعلام في ايصالها لهم، كما ساهمت بدورها في ضخّ أموال طائلة له: وهذا ما يمكن أن نصطلح عليه بالمنعطف الاعلامي وصناعة الثقافة كما لو أنّها مستعدّة لتصبح أسلحة بقرار ايديولوجيّ/سياسيّ يحرّكها ويحرّك المصنع الدعائي.

            مكّن هذا السّائد من جديد ثقافة الموت، بما يحمله من إرث لاهوتيّ وأرطال من الدعم المادّي خوّل له صناعة مؤسسته الدعائية الخاصة به، القدرة على تدجين العقول وإعادة خصيها خارج نسقها الإنساني، فجعل منها أسلحة معدّة للفتك بأن أطلق سمومها في المجتمعات، ممّا شكّل نوعا من العطب الانساني إزاء ما يمكن أن نصطلح عليه بالثقافة الانسانية/التقدّمية، ذلك أنّ الصراع صار هو المحدّد عوض التفاعل، بما يعنيه الأمر من هيمنة السلوك القائم على التضادّ البافلوفيّ بين ثقافات تتدعي الحياة، والحال أنّ أغلبها نزعة عدميّة أوتاد خيامها من عظام البشر المتطايرة رؤوسهم نتيجة القمع السياسيّ أو لعبة محافل الدم والانفجارات.

             نوضّح بالقول إنّه عوض بناء المستقبل من حيث مراكمة السيل المعرفي والعلمي والحضاري والفنّي، تجد الآن الثقافة/الثوريّة (كما تزعم) نفسها مجبولة على الانخراط في حقول معادلة الثقافة الأولى، إذ غادرت صالونات الفعل الابداعي لتجد نفسها مضطرّة إلى الاقامة في حريم التصادم، زعما منها دحض وتقويض الأصولويات، ممّا جعلها تكون رهينة الدائرة، سبيّة هي الأخرى في حرب التصادم الايديولوجي والفكري، تبحث لها عن مصنعها الاعلامي، ولكنّه مصنع لا يقيم للابداع الأدبي والسينمائيّ والمسرحيّ والعلميّ وزنا، بقدر ما يعنيه تشغيله وفق منطق الرّبح، فالجماهير الآن أشبه بطرائد سهلة وفرائس معرّضة لسهام الدّجل الخرافي والسياسي، لذلك فإنّ عمليّة ترويضها، ثقافيّا، تتطلّب أوّلا من المؤسسة الاعلاميّة أن تكون بدورها المنصّة أو الرّكح الذي يعزّز دمويّة القربان.

            يبدو أنّ معظم وسائل الاعلام، من مقام اهتمامها بما هو ثقافيّ، لم تعد تنقل إلينا غير هذا الصدى من التصادم، سواء كانت مرئية أم مسموعة أم ورقيّة، ممّا يجعلنا نعزّز اشكالنا بالتساؤل عمّا إذا كانت ثمّة هناك ثقافة ما خارج هذا المحور من الرعب، وبما أن “الوحش” الاعلامي لم يعنه أن يتحرّك إلا بأرجل من فولاذ القتل، وبأصابع من الانتماء الايديولوجي، وبعيون ترقب أسواق البضائع الثقافية من حيث الربح والخسارة، فإنّ امكانيّة تحقّق ثقافة مغايرة، تسعى إلى إحداث جراحات في قميص الظلام وتسعى إلى الصعود من ذلك الحضيض إلى ما تحتاجه انسانيتنا، أمر في غاية الصعوبة.

            ما من شكّ أنّنا أمام ضرب من المقاومة السيزيفيّة، فكنس القمع السياسيّ مكّن الاعلامي بتعرفينا على جلّ التجارب الفنّية المقموعة، كما مكّننا من معرفة تجارب عالميّة مغايرة ومختلفة، ولكن بما أنّ ذلك القتل لم يكتمل نتيجة الاخفاقات الثوريّة، فقد تورّط الاعلام بدوره  لينخرط في قمع مضاعف إذ تحوّل بدوره إلى قاتل يمدح أو يهجو، ذلك أنّه ظلّ خاضعا إلى منطق المواجهة السياسيّة بما لها من ثقافات متصادمة.

            نفهم من خلال هذا الحقل من دوّامة التصادم، أن الجسد المصطلحي للاعلام الثقافي كانت مدلولاته تقول بأن مساراته الوظيفيّة معدّة سلفا، وهذا يئد مولد أو نشأة ثقافة مغايرة تخون السياسي ولا تخون الثورة، فهو –السياسيّ- يحبّذ ثقافة الانتماء فيجنّد لها ترسانة اعلاميّة ويزكّيها بالدعم المادّي، وربّما يصنع مثقفين هم في نهاية المطاف حرّاسا لهذا السلوك، بينما الثورة تبحث في ثقافتها عمّا يغذّي الانفلات عن الحصار، ونتذكّر –من باب التوضيح لا المزايدة المعرفيّة- بتجربة الشاعر الروسي “ماياكوفسكي” إذ بلغت الدعاية ضدّه شوطا كبيرا إلى حدّ منع نشر كتبه، بينما اتجهت إلى تمجيد الشاعر “فيدني”، إذ الثاني في نظر السلطة السياسية والاعلاميّة أكثر فاعليّة لانجاح التجربة السوفياتية، بينما نحن الآن نقرأ لماياكوفسكي وننسى فيدني.

            استنادا إلى هذا المثال، تكون الثقافة التي تعلي من شأنها وسائل الاعلام، ثقافة آنيّة، زمنها لا يتعدّى حدود المعركة السياسية والفكرية والايديولوجيّة، إذ تموت بمجرّد نهاية هذه المعركة في حدّ ذاتها، ويمكننا أن نستدلّ على ذلك باتخاذ نموذج نلتقطه من المحصلة الفنّية في السلّة الثقافيّة من راهننا هذه السنوات، فمعظم الأعمال المسرحيّة التي لاقت رواجا مكثّفا واقبالا جماهيريا كبيرا، هي تلك التي تناولت ظاهرة الارهاب، فنجحت اعلاميّا بشكل لا يمكن لأحد أن يعترض عليه، ولكنّها ارتكبت جريمة جماليّة، إذ خلت ممّا هو ابداعي وتحوّلت إلى محض سباب وشعارات سياسيّة.

            لم يكن ذلك في عالم المسرح وحده، إنّما نجد له صدى كبيرا في مختلف الحقول الثقافيّة الأخرى، كالشعر والقصة والرواية والسينما، ممّا مكّن من عديد الفنانين والمبدعين من الظهور الاعلامي ونجاحهم في تحقيق شهرة واسعة، ولكن ما يفوت المهتمّين بهذه المسألة عجزهم أو تجاهلهم تلك الفاصلة التي تجعلنا نفرّق بين المبدع الحقيقي وبين تاجر الفنّ، الأوّل أدرك أن اللعبة الاعلاميّة خاضعة إلى منطق الانتماء، أو منطق السوق، بما يعنيه الانخراط في سجّلات تبعيّة ما، مادّية أو ايديولوجيّة، فنجح ابداعيّا بينما هو رهين التهميش إذ أنّ لا أحد يعرفه غير أوساط قليلة من المهتمّين بالمسألة الجماليّة لما هو فنّي، أمّا الثاني فيخون المستقبل/ الابداع فيحقّق نجاحا اعلاميّا غير مسبوق، وشريحة واسعة من المعجبين، بينما يدرك في قرارة نفسه أنّه ثمّة نكسة ابداعيّة في أعماله.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*