الرئيسية | سرديات | الطيور تشكو في العلياء | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

الطيور تشكو في العلياء | حمودي عبد محسن – السويد / العراق

حمودي عبد محسن                          

إنني راحل إلى السماء، أصعد عبر غيوم سوداء

أصعد على ظهر عنقاء، لألتقي السوسنة البيضاء

يا سوسنة بيضاء أنت تهبطين إلى الأرض الجرداء

تهبطين إلى أسفل في ليلة ظلماء كنجمة في سماء

أنا أصعد إلى أعلى، إلى منبع النور حيث الضياء:

حيث النجوم، والقمر، والسلام، والمحبة، والعناق

وأنت تهبطين إلى أسفل حيث الظلام يخيف العذراء

حيث الموتى، الهياكل العظمية، الأشباح، والنفاق

من فضلك اسمعيني: نحن كنا نسير سوية جنبا إلى جنب، وكنت أنت تغنين في قلبي، وتغرسين جذور الحياة. فجأة، توقفنا عند جسر البشر. رأينا رحيل الطيور، ذبول أزهار الأقحوان، دموعا تشكل أنهارا، رؤوس ترتفع على رماح، جثثا في انتفاخ، ملابس حداد سوداء، مخلوقات ماكرة شريرة في ألف رداء، ونيران تشتعل حمراء ثم سمعنا من بعيد عبر حقول دخان: الأرض في وباء.

نحيب وبكاء، طوفان من جوع وعطش، وآلام

ثم مشينا ألف سنة، وسنة عند نحيب الأيتام

الآن، نتوقف فوق جسر نهر عظيم، يهدر بصخب الماء. نراقب المياه وهي تغسل الحجر والصخر، والعشب الذابل الأصفر بعد المطر، وأوراق الخريف الصفراء والحمراء تسقط في عتمة الألوان في هاوية رماد.

اسمعيني من فضلك: أنت دائما معششة فوق الشجر، تحت المطر، تنظرين إلى أعلى، لترين وجهك في ضوء القمر.

ثم مشينا ألف عام وعام، ولم نفترق بقلبينا لأن لا شيء يقيدنا إلى بعض سوى الحياة

أنا راحل إليك يا عذراء السماء، يا سوسنة بيضاء،هاربا في ليلة ظلماء من وحش الدماء

 

الآن، أجلس في وحشة الزمن، في بيت طين، وأنت في تاج الخلود يا سوسنة بيضاء. أنا أنتظر حتى تحكمين، وتتخذين قرارك الأبدي بعد أن مات الصنم، ومات ذو القرنين، والظل الأسود للجلاد، ودفنوا في ظل ضوء القمر، وهدأة الليل وسكونه، فبقينا وحدنا، إذ كل شيء واضح، ويفسر: جرائم الأولين وآثامهم، الأحجار الناطقة، والزمان الذي لم ينته بعد. فقط عندنا الكلمات حتى لا ينمحي العالم، حتى يتهذب من قشور صفراء، ومن أصوات إنفجارات، ومن تأتأة خادعة، ومن بلاد مفجوعة، وتعذيب مفردات لأننا شهداء على هذا الكون، شهداء على الموت.

الآن، أجلس في وحشة الزمن، في بيت طين، حتى تحكمين، وتتخذين قرارك الأزلي، وأنا أديم النظر إلى عينيك. عيناك لا تكذبان، فيهما لمعان خافت، فيهما إصرار، وشفتاك مثل برقع يلمع، وصوتك لطيف مثل بزوغ فجر مثل هدهدة حمام.

أنا أنتظر حكمك الأزلي، إذ لا أريد أن أكون وحيدا في وحشة الزمن مثل سراب خافت مبهر، يلوح لي من بعيد، فقد همست قطرات المطر: سوف أنزل إلى أسفل من مسارب السماء، ابتلع قبلات الأرض، ولا شئ آخر.

أنا أنتظر حكمك الأزلي لأننا عشنا أكثر من ألف سنة وسنة سوية متوحدين في رؤية العالم، وفي الأخير تريدين أن نفترق. أنا وأنت نمتلك نفس الهدف، وإن كنا مختلفان. أنا وأنت خرجنا من نفس البحر، ثم افترقنا على شاطئه غمضا، ينز الماء من جسدينا، حيث تغمس الروح ماضينا، وجفوننا في عبرة.

الكل في انتظار حكمك الأزلي. الغصن يتثنى غضا في شجرته، ينتظر حكمك حتى الآلهة المفزوعة المروعة تنتظر حكمك، وذاك الطائر الأخضر قرب الشمس الذي يصرخ ينتظر حكمك الأزلي.

أنت قلت منذ عهد التتر حينما اغتصبوا البلاد:

ـ توحدنا ألف عام وعام.

حينئذ انتفضت أنا إلى الوراء كرنة عجيبة، كندى هطل من غمام، إذ الكلمات تقول أشياء كثيرة. الكل في انتظار حكمك الأزلي في وحشة الزمن. القرار صعب لأن آلاف الأشرعة البيضاء تمخر في نفس البحر الأزرق الذي خرجنا منه، ولأن عيني تبحثان عنك بين آلاف النجوم، وجفوني ترمش قائلة:

أعطني يا سماء شهابي من عروقك

أعطني يا بحر درتي من أمواجك

أعطني يدك، لأن القدر بين راحتيك

لأن نظري مبهور بالنجوم

لأن نظري مبهور بعمق البحر

 

الآن، أسير أنا مدمي في بيداء، وفوق زهور تقتات من نجمك في السماء، وقد فاضت دموعي وفاضت دمائي مثل نداء:

 تجيش في صدري لوعة البطحاء

 وقد طواني الليل في الرمضاء

 ونصل السيف يرتعش في الفضاء

 الحرب لا تخمد إلا على أشلاء

والطيور تشكو باكية في العلياء

 

الآن، أرقد أنا على وشاح السوسنة البيضاء في ساحة الوغى، وعيناي لم تغمضا أبدا، عزني هواها، عزني جسدها، وجفوني ترقرق دمعا، وفي فؤادي صراخ، لا أريد أن أقضي حتفي في العراء لأن في شفتي بقايا قبل ولثم مثل غمام.

الحرب طاحنة حولي، صهيل جياد من قريب ومن بعيد، سيوف تضرب سيوف، ثم طعن، ثم عض بين مقاتلين، والنقع يرتفع في الفضاء من تحت سنابك جياد. فرسان تنهض، فرسان تسقط أرضا، وأنا أحتضن وشاح السوسنة البيضاء، سيوف حسام تنوش سمر الرماح.تكاد السماء تنفطر من طوفان الدماء. يكاد ركام الغيم يقطر دماء، ويلج في رعده، في بريقه. ضرب ونزال، وسيوف لوامع بواتر تغدو حد في الدماء.مراء، وتتزاحم الأجساد. تكسرت رماح، وتشققت أعلام، وسقط فرسان. هذا يجود بيديه، وذاك بقبضة رمال مغالبا أنياب سياف، وعيناي شاخصتان إلى السماء، إلى السوسنة البيضاء، والطيور تشكو في العلياء.

 

2017-09-30

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*