الرئيسية | أدب وفن | الفن | سينما | السينما: من الجميل إلى السامي | السعيد لبيب
المخرج السينمائي والكاتب الروسي أندري تاركوفسكي

السينما: من الجميل إلى السامي | السعيد لبيب

السعيد لبيب[1]

 

 

 

 “Fashions pass-culture remains”

Eisenstein, Film form, Essays in film theory, USA,1949, P109

 

 لا يعني هذا العنوان انتقالا في الدرجة،  من الجميل الى السامي،  كما قد تحيل إلى ذلك الدلالة اللغوية،  ولكن تحول في الطبيعة.  طبيعة الذوق،  وطبيعة الاحساس.  يعرف كانط،  في الفقرة السادسة من”نقد ملكة الحكم”، الجميل بقوله: “الجميل هو ما يتمثل من دون مفاهيم بوصفه موضوع رضا كلي”. بمعنى أن ذوق الجميل هو احساس على شكل رضا Satisfaction (أي أنه ليس حكما معرفيا يخضع لمعيار الصواب والخطأ، أي أنه ليس مجال نقد إبستمولوجي: لذلك يشكك كانط في ما بعد في إمكانية وجود علم للجميلScience du beau [2]).

 الجميل هو أيضا إحساس خال من أي مصلحة أو منفعةIntérêt  (بمعنى أنه ليس حكم قيمة أخلاقية أو اجتماعية أو اقتصادية) ومادام كذلك فهو حكم شعوري “كوني بالضرورة”، أي أن حكم الذوق، ذوق الجميل، نفترض أنه يوجد لدى كل الناس لذا يقول كانط “أنه لا أحد يحق له أن يسمي شيئا جميلا لأنه يلذ له لوحده لأنه آنذاك لن يعيره أحد غيره أي اهتمام”.

 هكذا مادام الجميل هو الاحساس الكوني الخالص من كل منفعة وغير خاضع للمفهمة (“الجميل هو ما يرضي كليا من دون مفهوم”) أي ليس موضوع لا قضايا تركيبية ولا تحليلية (يعني ليس موضوع علم رياضي أو تجريبي). وبالتالي يصبح التعبير الذي انتشر لفترة ومضمونه أن الفن الحقيقي هو”الفن النظيف”، خال من كل شروط الذوق الجمالي لأنه يعلق الاحساس بالجمالية في الفنون على بعدها القيمي والاخلاقي وهي تعابير تذكر بتصنيفات مثل مفهوم ”الفن المنحطL’art dégénéré ” عند النازيين.

 بقي اإذن أن نجيب عن التساؤل (المؤطر للندوة) التالي: ما هو المبرر لطرح سؤال الجمال والجمالية في السينما؟ فكانط وهو يتحدث عن مفهوم الجمال كانت أمام عينيه فنونا أخرى، فقد حدد (51 §) ثلاث وسائل للتعبير: الكلمة أي فن القول (البلاغة وفن الشعر)؛ ثم الحركة وتحتوي فن التشكيل (النحت والمعمار) وفن الرسم (الوصف الجميل للطبيعة وفن الترتيب الجميل لمنتوجاتها=هندسة الحدائق، البستنة)؛ النغمة ونجد فيها “فن لعبة الاحساسات” أي الموسيقى كفن زمني. لكن يحتل الشعر المقام الأول بين كل هذه الفنون لأنه “يحيل للعبقرية وأقل انصياعا للقواعد والنماذج” (§53) وأعتقد أن هذا ينبغي أن ينطبق على الفنون التي تصبو إلى أن تكون فنونا شاعرية (السينما لدى بعض المخرجين مثلا).

 أما السينما، كما نعلم، لا تملك هذا التاريخ الطويل مقارنة مع فنون من قبيل المسرح وفن الرسم الصباغي والرواية، ويكفي أن نتصفح نصW.  Benjamin  “العمل الفني في زمن إعادة إنتاجه التقني”[3]، لنجد مقارنة نوستالجية بين المسرح والسينما، من حيث أن الأول يتمتع بطابع العلاقة المباشرة بين العمل الفني (مسرحية وممثلين فوق الخشبة) وجمهور، بينما تلعب الآلة دور الوسيط بين الجمهور والعمل الفني (الشريط السينمائي)، أي أن الآلة (كاميرا وشاشة) تفرغ العمل الفني من هالته Aura ومن أصالته وبُعده الطقوسي مثل ذلك الذي يوفره المسرح.

 لكن حتى ولو كان كانط لم يعرف السينما إلا أن المبرر لطرح سؤال الجمالية فيها مهم جدا، حيث استطاع هذا الفن رغم قصر تاريخه، من أن يتحول إلى نوع من”الفن الجامع”حيث تتساكن القصة والمسرح والتشكيل والموسيقا عبر دعامتين أساسيتين: الصورة والحركة في الأول قبل أن تلتحق بهما دعامة الصوت. لذلك عُرِّفت السينما بكونها”فن التدوين بالحركة” (= دولوز وليوتار) . فقد ولد الفن السابع، يقول كريستيان ميتزCh. Metz [4]، من تلاقح العديد من الأشكال التعبيرية الموجودة سلفا والتي لم تفقد قوانينها الخاصة (كالصورة والموسيقى والكلام وحتى الضجيج)، فكان عليه أن يركب بين ما هو تعبيري صرف (العنصر اللغوي-المنطوقl’élément verbal ) وأخرى ذات تعبير رمزي (كالموسيقى والصورة…) وبذلك صارت السينما “خطابا صُوَرِّياDiscours imagé “. كما أن مبرر سؤال الجمالية في السينما يعود إلى أنها فن كوني من حيث أن الإدراك البصري هو نفسه كوني وهو موجود لدى جميع الكائنات البشرية تقريبا، وهي كونية أيضا لأن صورها يمكن أن تصاغ وتحول وتترجم لأية لغة ولسان.

 وهذه الرمزية الجمالية في السينما تعني أن فيلما معينا لا يعرض ولا يقدم بنفس شكل ما يمكننا سماعه ومشاهدته في الحياة اليومية، فلا يكتب الشاعر شعره ولا الروائي حكايته سوى لأنه لا يريد أن يتحدث بمثل ما يتحدث به الآخرون وإلا كان بإمكان الشاعر أن يحول قصيدته إلى مقال ونثر، ولا ما اختار منظورات سردية وبلاغية معينة، فليس”هَمُّ السينمائي، يقول ميرلوبونتي، أن يعرفنا بوقائع وأفكار بل إن السينما تمنحنا هذه الوضعية الخاصة من التواجد في العالم ومعاينة ومعالجة والتصرف اتجاه الأشياء والآخرين كسلوكات، ووصف هذا الامتزاج بين الوعي والعالم وانخراطه في جسد وتعايشه مع الآخرين[5]“.

 مثال على ذلك: شريط “الحياة جميلة La vie est belle” لروبرتو بينيني R. Benigni (1997). لقد تساءل أدورنو بعد الحرب العالمي الثانية ف ي”الجدل السلبي” إن كان ما زال من الممكن كتابة الشعر بعد أوشفيتز، ليجيب بينينيي بأنه بإمكاننا نقل السخرية والهزلHumour  وحتى اللعب إلى داخل معسكرات الاعتقال الفاشية (وكأن الحرب ليست سوى لعبة كبيرة يمارسها الناضجون). حيث يملك الشريط طابعا أسطوريا، على شكل حكاية خيالية بوقائع يختلط فيها المتخيل بالواقعي، حيث تدور أحد المشاهد الأولى في طبيعة خضراء غناء، ونرى إحدى الشخوص تتلو قصيدة إضافة إلى قصة الحب التي تجمع بين DoraوGuido التي ستتوج بإنجاب إبن سيختارون له اسم يسوعJésus  مما يزيد من سحرية الحكاية. لكن الفيلم أيضا حكاية عن العنف الجسدي والنفسي يصل بك إلى حدود الحمقDémence ، فما يصدم هو تلك السلبية التي يرد ويتصرف بها المعتقلون في معسكرات الابادة وأيضا قدرة Guido على الحفاظ على براءة وحياة طفله إلى نهاية الحكاية، فقد ارتجل كذبة حول من خلالها المعسكر إلى لعبة كبرى. وبذلك فهو شخصية شجاعة وحيوية وساذجة، وكأنها شخصية خرجت للتو من كوميدياDell’Arte  بهيئته البهلوانية، بجميع عناصر الهزلComique : من كوميديا الموقفDe situation والشخصيةCaractère  والحركة Geste والتكرارRépétition  التي تشكل مجتمعة هزلا عبثياHumour absurde  (مثلما الطقس الذي كان يخلقه كافكا حينما يقرأ قصصه على زملائه فينفجر الكل ضاحكا[6]) . أما العنصر البهلواني فإنه يذكر في العمل الفني، بالعودة إلى أدورنو[7]، بما قبل تاريخ الفن (أي العالم البدائي الحيواني، فالقردة في حدائق الحيوان تقوم بما يشبه أفعالا بهلوانية) ، فلم يتخلص النوع الإنساني مطلقا من تماثله مع العجماوات التي لا يستطيع أن يكتشفها دون أن تغمره السعادة فجأة”. لهذا يبحث Guido عن السعادة في عالم لا تتوفر فيه حتى شروط حياة بهلوانية، عفوا حيوانية.

 لكن”الحياة جميلة”ليس شريطا في الواقعية التاريخية أو يحمل معطيات ومعلومات جديدة عن مرحلة من تاريخ التمزق الغربي، لكنه يتحدث عن العبث. فقد صرح Benigni بأنه استوحى عنوان شريطه من جملة ليون تروتسكي  L. Trotski حينما كان في منفاه في المكسيك ويعلم أن القتلة المأجورين الستالينيين يتربصون به، نظر إلى زوجته في الحديق وقال”الحياة جميلة”. لهذا يبدو أن الخيط رفيع ورقيق بين الملهاة والمأساة، وإن كان هناك من انتقد الشكل الذي عرض به المخرج قضية خطيرة. لكن كيف لا يمكن التأثر بقصة حب بين أب ساعد إبنه على تجاوز محنة الرعب دون خوف وبسخرية، مع ما نعلم من قيمة لهذه العاطفة منذ سارق الدراجة (1948) Voleur du bicyclette. لكن المخرج أراد أن يبقى وفيا للاواقعيةl’irréalité  ويجبرنا على تتبع البحث عن الجمال في حياة مأساوية.

 من هنا يمكننا التساؤل عن مكانة القبيحLe laid  (بدون خلطه بالجميل كما قد يلهم به “فوست”لغوته =La beauté du diable (1950) ) . ألا يملك القبيح أيضا الحق في أن يتم تصويره مثلما دأب على تسجيله التعبيريون الألمان مثل Otto Dix على لوحاتهم أي تجسيد المشوه والمتنافر (من صور لمعاقين ومعطوبي الحروب والجسد في مختلف وضعياته المباشرة) . فالقبيح هو هذا الذي يكون بلا صفة ولا شكلAmorphe . لكن يمكن”قبول-مثلما يقول أدورنو-أن الجميل يأخذ وجوده وكيانه وحياته من القبيح باعتباره نقيضه، يعني ما لا يكون منظما ومتنافرا وشاذا. فمنذ بودلير صارت حتى الظلمات تمارس إثارة أكثر، كنقيض للواجهة الجميلة المخادعة. لهذا يجلب النشاز لذة أكثر من التناسق”. وبالتالي”يكون للمؤقت والزائل والمنفلت مكانه أيضا”[8].

 معنى هذا أن المشكل الحقيقي الذي يواجه السينمائي هو المونتاج بمعنى الحذف والانتقاء ضد تلك الكثل من الصور التي تقفز إلى الشاشة دون نظام. ويظهر بهذا أن المونتاج هو”نقيض كل فن يحمل جوا atmosphère ، وعلى أنه نقيض الانطباعيةl’Impressionnisme “، لأنه يلغي”الحياة النزواتية للأصوات والألوان”[9]. فالإسثتيقا الكلاسيكية كانت تفضل لحظة الانسجام، يعني علاقة الكل بالأجزاء، وهيمنة الكل المطلق والشامل على الفرعي. . . ومن تم ينتصر التوافق على التنافر”وترى اللذة في النسقية (فالمونتاج هو البناء الجيد لكل قطعة من الفيلم”يقولS. Eisenstein  ) ، وتختزل الجميل إلى”جميل صوريFormel”.

 يقول بول فاليري في نص قصير عنونه”بالجميل سلبيLe beau est négatif “أن”الجميل هو ما يفترض آثارا لا يمكن قولها أو وصفها أو تحديدها. يعني أن الجمال هو ما لا يمكن التعبير عنه[10]l’inéxprimable “يعني”غياب الكلمات”، فالأدب والفن عموما يحاول في منظور فاليري، عبر”الكلمات”، ابداع حالة الاحساس بالنقص manque والغياب. فالجمال بهذا حالة نفيnégation ، وعطش أكبر، وأفق لا نهائي. بهذا يقترب هذا المعنى، الذي يقترحه فاليري للجمال، من مصطلح السامي عند كانط، الذي يقارنه بالجميل بالقول أنه: “يكون في شيء غير ذي شكل، بينما يكون الجميل في الشكل. والسامي مرتبط بتمثل للكم بينما الجميل للكيف. . . حيث يتناوب على الذات إحساسين: لذة ونفور. . . وبذلك يكون السامي هو ما يتجاوز الخيال” (§23) . ويضيف أن”النفس تشعر في تمثل السامي في الطبيعة أنها تهتز، بينما تكون في الحكم على الجميل في الطبيعة في تأمل هادئ” (§27) ، مثل الخوف من السقوط في هوة”وللشعور بالسامي خصوصية هي أنه شعور بالألم. . . وعدم القدرة على إدراك اللامتناهي”ويعرض على ذلك مثالا (§28) من أن  تأمل صخور وعرة وبراكين ورعود يقلص فينا قوة المقاومة (أي يشعرنا بالخوف والرهبة والألم) مقارنة مع ما إذا كنا نتأملها ونحن في أمان، آنذاك يكون منظرها أكثر فتنة كلما كانت أبعث على الخوف. من هنا التناوب بين الشجن واللذة والخوف والأمن في شعور السامي. وبتعبير ليوتار نقول أن: “الجميل يفترض ذاتا منسجمة مع نفسها، بينما السامي يزعزع قناعة الذات المتحكمة في مشاعرها”[11]، فهو يملك هذه القدرة التدميرية على خلخلة الانتظام والاتساق في المشاعر. الافتراض الذي ننطلق منه هو أن السينما بدورها، مادامت فنا، تقوم أصالتها، كما يتبنى ذلك موران،  على الفصل والمقابلة بين الواقعي واللاواقعي (بين العجائبي والمعتاد[12]) . فعلى السينما أن تفكك وتشوه déformer  زاوية النظر على الأشياء وليس تشويه الأشياء (مثل الاستديوهات الكبرى التي مهمتها صنع مظاهر لهذا الواقع[13]). لأن ماهية السينما هي اللاماهيةnon-essence”. يعني الحركة الجدلية بين الواقعي والمتخيل”[14]. لأنها وريثة الحلم والسحر، فالسينما وهي تسمح بالفونتاستيك (=الخيالي) وتسجله في الواقع، تعيدإحياء المنظور العتيق l’antique  (للحضارات القديمة-المتوحشة) عن العالم. لكن السحر بالنسبة للإنسان القديم مشيء/متجسد réifiée (في أشياء أو كائنات حية، نباتات أو حيوانات، أحجار. . . الخ) ، أما في السينما فإنه ينصهر ويتحول إلى إحساس”[15].

 فالسينما هي حرب ضد المطلق، ضد البدهي، تعبير عن الخوف من اللانهائي واللامحدد ورعب القلق وضد الاعتقاد بالقدرة على فهم الغايةDessein  من الكون.  أمام كل هذا الضعف يستنجد الشيطان بالآلة السينماتوغرافية[16]، فمفاهيم الفضاء والزمن والسببية التي كان ينظر إليها على أنها ماهيات وكيانات خلقها الرب وثابتة مثله، ومقولات مسبقة ولا يمكن كسرها للوجود الكوني تجعلها السينما مجرد مفاهيم مصدرها حسي ومن طبيعة تجريبية كأنساق من معطيات نسبية وتابعة للإرادة. وتدخل السينما شكا إلى الأنا وتهدد وحدتها ودوامها. وتغدو الهوية الشخصية والوجود وكل شيء معقدا ونسبيا ومتغيرا على منوال ما كشفته الفيزياء المعاصرة من انفلات الواقع وأفول الهوية، وتفتت الزمان والمكان إلى أزمنة وأمكنة ممكنة ومحتملة. لذلك تدفعنا السينما إلى إعادة التفكير في العلاقة بين العشوائي والمنظم، المتقطع والمستمر، الواقعي والمتخيل، أحدهما في الآخر، أحدهما من خلال الآخر. فلا يظهر العالم والأنا والكون إلا من خلال نقائصه، أي ما ليس عليه بعد كثغرات. يعني الألم والمعاناة من انعدام الوجود كما نريد.

 الأمثلة على ذلك متعددة مثل الأفلام الفنية لبرغمانBergman  وGodard  وAntonioni  وTarkovski  التي تنشغل أكثر بالبنية الشاعرية العميقة عوض التأثيرات البصرية السطحية. فمعها تحول الجميل بعد أن كان جامدا ومطلقا وحيدا، إلى متغير ونسبي ومتعدد بقيم مشتتة. ولعل آخر عمل لكودار”وداعا للغةAdieu au langage  (2014) شهادة على هذه التجربة. حيث يسأل إريش Irich دافيدسونDavidson  عن الفرق بين الفكرة والاستعارة، فيجيب الأخير باستشهاد من مأدبة أفلاطون بأن الجمال”هو اشراقSplendeur  الحقيقة”هنا توجد الفكرة، لينظر حوله فيقول”أما الاستعارة فهي طفل يلعب بالنرد”ونرى صبيين (طفل وطفلة) يلعبان بثلاث قطع من النرد على قارعة الطرق. وربما لا يرمز النرد هنا سوى للتجريب Expérimentation  (بمعناه الفني) حينما يبحث الفنان عن تقنيات جديدة في عالم كل شيء فيه ممكن ومحتمل ونسبي. كما اعتبر Geodéon في الفيلم أن أكبر الاكتشافات هي الصفر واللانهائي. لكن Josette   ترد بقولها أن”الأمر ليس كذلك، بل هما الجنس والموت”. لتضيف”أعتبر أنني أستطيع أن أتحدث معك فلا أقول شيئا. إنني أبحث عن فقر اللغة”لنرى مشاهد يتجول فيها الكلب روكسي Roxy بين المدينة والريف لنسمع استشهادا لريلكRilke  يقول: “الكائنات البشرية لا ترى العالم كما هو، طالما لها عقل. فقط الكلب يرى العالم كما هو”.

 لهذا ففي إفلاس اللغة نحتاج للإستعارة”لذلك من الصعب أن نتحدث في الشريط، الذي استخدم أيضا تقنية البعد الثالث3D، عن حكاية متسلسلة، بل”مجرد أحداث مفتتة”لا رابط مباشر بينها سوى تناقضات من قبيل: ذكر/أنثى، طبيعة/ثقافة، انسان/حيوان، واقع/خيال، الصفر/اللانهاية. . . لهذا لا يريد Godard  أن يمنح مشاهديه لذة متابعة قصة، فوداعا اللغة يقترح جنسا من المونتاج-الميكساج-الكولاج الغير المنتظم والمركب من صور وكلمات، صور وأصوات ومقاطع من أفلام قديمة ومن أرشيف تاريخي واقتباسات من مكتبة الإرث الأدبي والتاريخي والفني العالمي (من سولجتسين Soljetsyne  وسارتر ودريدا. . . ) وكل هذا يشكل فرصة لوضع الصورة موضع مأزق وجعل المشاهد مضطربا والمعنى مفتقدا، لأننا أمام شريط-مسودة Film-brouillon .

 يمنحنا Godard  شذرات متعددة يصعب وصفها بالجميلة مثل حكايات كافكا، لأنها تحتاج قدرة أكبر من اليقظة حيث تمتزج الصور الأدبية والشعرية بالموسيقا والرسم والسينما. وكذا القلق من تأخر وجود مكانة حقيقية للسينما بين الفنون، حيث نسمع في الشريط: تعليقا صوتيا Voix off يقول أنه”لا توجد جائزة نوبل بالنسبة للموسيقا ولا الرسم وللفنون الزمنية والبصرية”. وربما لأن”السينما ليست لسانا كما يقول  Ch. Metz أي نسقا ونظاما يحقق التواصل، وإنما تعبير أكثر مما هي تواصل. وبالتالي مجبرة على البحث عن دلالات خفية وبلاغية، بمعنى أنها تبدأ حينما تتوقف اللغة العادية. حينما تتوقف قواعد اللسان وينعدم الاجبار ويصير التركيب حرية.

 فالبحث عن “الزمن الضائع”لبروست لا يختلف عن كتب الطبخ إلا بغزارة محتواه الرمزي، أو فيلم”الحياة جميلة”عن وثائقي يتحدث عن الحرب العالمية الثانية إلا بكثافة المشاعر التي يفجرها لدينا. كل هذا يتناقض فعلا مع الأفلام الحاملة لأدوار واستعمالات ديداكتيكية وإيديولوجية (les films utilitaires ) . لهذا تظهر كثير من الأفلام غير مفهومة Inintelligibles (كلها أو في جزء منها بالنسبة لجمهور معين) لأن محتواها أو مرجعها السردي Diégèse يحتوي وقائع ومفاهيم جد دقيقة Trop subtiles ، أو جد عجائبية Exotiques، ويعود إلى أن صورها وكلماتها تبخل أكثر مما تمنح، بل أكثر مما ينبغي، رموزا متعددة المعاني والدلالات وبعلامات ذات محتوى مفرط في واقعيته. “فما أكثر أشكال سوء الفهم، يقول [17]Ch. Metz، التي تنجم عن فهم مفرط”.

 لذلك على الفن والسينما خصوصا، لكي لا تصبح مجرد دعامة تسند ما هو موجود، أن لا تفرض الاستعمالات العلاجية للفن (أي الاستخدامات الايديولوجية) بأن تكرر البنى النحوية والمعجم الذي يسمح للمرسل بأن يفك شفرات الصور واللقطات بدون عناء ويصل بذلك إلى الوعي بهويته من خلال الاحساس بالمتعة إلى جانب متعة تواجده مع الآخرين. بل على الفنون أن تسائل قواعد الفن كما تم تلقيها وتعلمها من السلف. فسؤال اليوم ليس هو”ما هو جميل؟”لكن”ما هو الفن؟”مثلما نتساءل أمام دراجة أو مبولة ديشان هل هي عمل فني وأن نتساءل أمام”وداعا للغة”هل هو شريط سينمائي؟بإختصار، على العمل الفني لكي يكون ساميا أن يكون مقلقا، عوض أن يغازل الذوق، ذوق الهاوي أو المتذوق البسيط، خصوصا أن معيار نجاح العمل السينمائي يقاس اليوم بمقياس إيرادات شباك التذاكر، ونسب المشاهدة (بالنسبة للتلفاز) . ففيلم الفروج والطريق إلى كابول احتلا مراتب متقدمة في الشباك (رغم كل المعاناة التي تتكبدها دور السينما اليوم) ، بل وهناك من يتبجح بأنه يستطيع أن يعرض أعمالا يمكن للكل مشاهدتها، مهما اختلفت الأعمار والمستويات، لأنه يخاطب المشترك، في حين أنه يزيد في الشرخ الذي يفصل بين الفن والجمهور (ولنا في نقد فرانكفورت ما يكفي لفضح وكشف ما يختبئ خلف مثل هذه الادعاءات) . أي أن ما يهدد الفن اليوم هو السوق، “أي الرقابة الاقتصادية التي لا تختلف عن الرقابة الايديولوجية، لأن كليهما يخضعان العمل السينمائي لشيء خارجي عنه، إضافة طبعا للرقابة الذاتية التي هي استدخال للمنوع لدى السينمائيين الذين يصعب عليهم الانفلات من قبضة المطلوب على الشاشة”. وإذا كانت الرقابة الاقتصادية تبتر الانتاج فإن الرقابة الايديولوجية تبتر الابداع”[18]، ذاك هو ما يحدث حينما نقدم، أو على الأقل نزعم أننا نقدم، للجمهور ما يريده.

 كلما كان الفن يسائل ملكة التمثل والفهم والتلقي كلما أنتج انفعالا قويا وملتبسا، أي أن يحمل في الوقت ذاته ألما ولذة. أو بصيغة أفضل، اللذة التي تنبثق من الألم، وهو احساس لا يمكن تمثيله Irréprésentable لأنه ينفلت من قبضة العقلنة، ولا يمكن الشعور بهذا إلا حينما نقتحم الحدود والثغور القصية للإبداع. لهذا كل”فيلم يعرض علينا السينما، وهو في الآن نفسه يعلن موتها”[19]. إن سؤال هل لا زال بالإمكان الابداع والخلق؟ ذلك هو درس سينمائيين كبار مثل Godard أو Tarkovski اللذين جربا وبحثا في نهاية الحكي والسرد، التصوير والتمثيل.

 

المراجع والهوامش:

[1]  هذا المقال نص المداخلة التي شاركنا بها في الندوة الوطنية “الجميل في السينما” التي كانت من تنظيم مختبر السيميائيات وتحليل الخطابات الأدبية والفنية، ومركز الأبحاث الفنية والجمالية التابعين لكلية الآداب والعلوم الانسانية-بنمسيك،  الدار البيضاء والجمعية المغربية لنقاد السينما،  بتأطير من طرف الأساتذة والنقاد:  عبد العلي معزوز وعبد اللطيف محفوظ وحمادي كيروم،  يوم الجمعة 08 يناير 2016 (بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني-الدار البيضاء) .

[2] “لا وجود لعلم للجميل، بل فقط نقد له، كما لا وجود لعلوم جميلة، بل فنون جميلة فقط. لأنه بالنسبة لعلم للجميل، ينبغي أن نحدده علميا، يعني من خلال أسباب برهانية إذا ما كان الشيء جميلا أو لا” Critique de la faculté de juger, Tr. A. Renault, (Aubier) ,Flammarion,1995, §44. وهو ما يحول حكم الذوق كحكم منعكسRéfléchissant  إلى حكم محددDéterminant .  لكن، رغم أهمية هذا التمييز بين ألعاب لغة مختلفة (فنية وإثيقية ومعرفية) ، من الصعب اليوم قبول فكرة العبقرية، التي نجمت عن الرومانسية، بعد نيتشه وفرويد، أي القول بوجود”موهبة طبيعية تعطي للفنان قاعدته”Ibid. §46

[3] W. Benjamin, L’œuvre d’art à l’époque de sa reproductibilité technique, tr: F. Joly, Payot-Rivage, 2013

[4] Le cinéma, Langue ou langage ?, in Communications,4,1964,P71sqq

[5] Sens et non sens, Nagel, 1966, P101sqq

[6] Bertrand Lortholary, Présentation, in Le Procès, F.  Kafka, GF Flammarion, 2011, P18

[7] La théorie esthétique, Payot, 1974, PP162-163

[8] Ibid.  P60

[9] Ibid.  P208

[10] Paul Valéry, « Instants », in Mélange, Œuvres complètes, T. I, La Pléiade, 1957, PP374-375.

[11] J. -F.  Lyotard, l’intérêt du sublime, in Du Sublime, (Collectif) , Belin, 1988

[12] L’homme imaginaire, Minuit, 1956, P162

[13] Ibid.  P164

[14] Ibid.  P174

[15] Ibid.  P161

[16] J. Epstein, Le cinéma du diable, Melot, 1947, § Guerre à l’absolu,§ le doute sur la personne.

[17] Le cinéma langue ou langage ?, P80

[18] Christian Metz, Le dire et le dit au cinéma, Communications,11, 1968, PP22-23

[19] Christian Metz, Le signifiant imaginaire, Communications,23,1975,P26

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*