الرئيسية | بالواضح | استبداد الجمال | عبد القادر ملوك

استبداد الجمال | عبد القادر ملوك

عبد القادر ملوك

 

أنا بيت السعادة، أنا مصدر الفرح، أنا إذا مبدأ الراحة.

أنا كالدهر أبني اليوم و أهدم غدا. أنا أحيي وأميت.

(الجمال: جبران خليل جبران)

      خلق الله الإنسان وخلق داخله نفسا تهفو إلى رؤية الجميل وتستطيب لقياه لتمتع به النظر وتذوب في نشوته؛  لذلك صار المرء كلما وقعت عيناه على شيء جميل مهما كان شكله ومهما كانت طبيعته: منظر طبيعي، ابتسامة طفل وديع، أنغام طائر، خرير جدول، حفيف أغصان، إطلالة صبح، حسن قوام، تورد خدود، نرجس عيون… إلا وارتاحت نفسه وانشرح قلبه وتوسم فيه خيرا، مبعثه ما يراه فيه من علامات نظام وتماثل وانسجام تشي جميعها بأنه في حضرة الكمال أو يكاد. وهي خصائص نصّبت الجمال ملكا على مملكة الإنسان وإلها في معبد الحسن والبهاء، دُبجت في عرض أوصافه الأسفار وقُرضت في مدحه الأشعار، وشَدَت بذكر محاسنه الألحان حتى صار طاغية لا يفلت من بطشه واستبداده إنسان؛ يأسر هذا ويُسهِّد ذاك، يريح هذا ويعذب ذاك ولا من مُوقف لبطشه واستبداده.

ولم يقف استبداد الجمال عند هذا الحد بل تعداه نحو تتفيه القبح والدفع في اتجاه نبذه ومقته، من منطلق موغل في النرجسية، قوامه أنا ولا شيء سواي. وهو مبدأ دُفع به في ثقافتنا المعاصرة إلى أقصى مداه، حتى أضحى إخفاء قبح أو طمس بشاعة، مما اتفقت الجماعة على أنه كذلك، ديدن معظم الناس، فكان أن سارعوا نحو الظفر بنصيبهم من الجمال الصناعي بعدما خالفوا الموعد، وفق مقاييس وضعية، مع الجمال الطبيعي، فصار الجسد هاجسهم، وتجميله وتشبيبه وُكدهم. وكعادتها كانت الشركات ومعها الميديا على اختلاف أنواعها في الموعد، يحدوها رهان تحرير الجسد في أفق جعله موردا يضخ ذهبا، فتفننت الإعلانات في الصحف والمجلات وعلى شاشات التلفاز في الاحتفال بالجسد المثير وإظهار مفاتنه، سيان في ذلك أكان جسد امرأة أو جسد رجل. ولِمَ التمييز وهذا الأخير قد مسه ما مس المرأة من فتنة الجسد، فازداد اهتماما بصيحات الموضة واغراءات الإثارة المظهرية، يسكنه هم واحد ويتحكم فيه: “أن يكون الأفضل”، وهي أفضلية وحده الجسد، وتوابعه من مستلزمات المظهر، من يحدد درجتها.

ولأن الأمر قد أخذ هذا المنحى، فقد وجد الرجل نفسه كما هو حال المرأة، مشدودا إلى مورفولوجيا من نوع خاص، مورفولوجيا يتم التسويق لها إعلاميا وعبر الإعلانات المبتوتة في كل موضع، تتحدى  الطبيعة وتعاند تقلبات الجسد الواقعي، في محاولة لتجسيد سيطرة الإنسان وإحكام القبضة على ما يفترض أنه ملكه، أي جسده، والظهور بمظهر أنيق ومثير يستحسنه الآخرون ويوافق اعتقادا مجمعا حوله، دون فحص، مضمونه أن مظهر الفرد الخارجي يعكس حقيقة باطنه وما يحمله في داخله، ما جعله معلقا بين الخارج – مرآة الداخل- وبين ما هو عليه فعلا وحقيقة. وقد جعل هذا الوضع الفردَ يعيش حالة من التشظي تجلت ملامحها، من جهة، في كونه لا يقوى بشكل دائم على الظهور بمظهر جسدي مثالي شبيه بما يتم تسويقه عبر الميديا بفعل صروف الدهر وعوامل الزمن، ثم في كونه، من جهة ثانية، غير قادر على تجاهل هذا الأمر وطيه نهائيا، مادام  طيف الجسد المثالي يسكنه شاء ذلك أم أبى، ومادام طبع الإنسان، إلا في ما ندر، أن يساير الآخرين حتى يشعر بالرضى ويناله من حبهم نصيب.

هاهنا تتولد إحدى المفارقات العجيبة؛ فالإنسان في سعيه الحثيث نحو تحرير الجسد من ربقة  الطابوهات التي تحكمت فيه واستعبدته لزمن ليس بقصير، وجد نفسه يسقط في إيديولوجيا غير مألوفة يمكن نعتها بأنها إيديولوجيا جسد تحول إلى سيد يأمر فيطاع، وكيان اختزل جماع شخصية الإنسان فيه وحده، بل وأصبح يمثل السقف الوجودي للإنسان، ويقينه الوحيد الذي لا يقين بعده؛ إذ عبره ومن خلاله يتواصل مع الآخرين ويستطيع أن يتعرف على ما يختلج في صدورهم، وُيقَيِّم شخصياتهم. باختصار صار الجسد هو الطريق الملكي نحو التعرف على ذوات الآخرين.

ولا عجب أن يطال هذا الوضع الإنسان أينما استقر به المقام، فعصر السماوات المفتوحة لم يدع فردا في حاله، بل سهل الوضع على الشركات والاقتصادات العالمية في تمرير رسائلها وممارسة استبدادها الذي لم يعد يشتغل بالثنائية التقليدية القائمة على الزوج منع/جواز، بل وفق ثنائية جديدة قائمة على الزوج تحريض/تثبيط، الذي غايته خلق أفراد كل همهم العناية بأجسادهم والإفتتان بها حد الهوس في اختزال سافر وسافل للجمال في الجسد، مِن صوره الغندور le Dandy ذلك الشخص المتأنق الذي يحيا وينام أمام المرآة على حد تعبير شارل بودلير. فكان أن ازداد عدد صالونات التجميل ودُور الرشاقة وأماكن الحلاقة، بل وبلغ الأمر بفتنة الجسد واستبداد الجمال أن استحدث تخصص جديد في الآونة الأخيرة يحمل اسم الكوسميتولوجيا  la cosmethologie مهمته أن يصارع عداء الزمن من أجل إطالة عمر الشباب أكثر مما تخوله الطبيعة، وقد تمكن من ذلك إلى حد ما وبات بإمكاننا معاينة مشاهير وأشخاص ميسورين وغيرهم، بأعمار متقدمة لكن بمظاهر شبابية توحي باستسلام دورة الزمن لحيل العلم الجديد. فهذا العلم الذي ولد من رحم الكيمياء في الأصل ثم انتقل سريعا إلى العناية بشيخوخة الجلد في أفق إعادة تشبيبه وتجميله، يؤكد ما قلناه أعلاه من توق نحو الجمال، الجسدي على وجه التحديد، ومقت ونفور كبيرين من أعدائه، لاسيما الشيخوخة، التي يستنجد المرء بكل ما من شأنه طمسها وإخفاء معالمها.

ولا غرو، والحالة هذه، من أن تتمكن الكوسميتولوجيا، اعتمادا على وسائلها في تسويق نفسها، من تمرير فكرة لقيت قبولا لدى شرائح كبيرة من الناس مؤداها أن الزينة (la toilette) والعناية بالجسد واللباس والاهتمام بالعطور كلها عوامل تسهم بشكل فعال في علاج علل كثيرة على رأسها الاكتئاب الناتج عن فقدان القدرة على جلب الاهتمام، وترفع من ثقة الفرد في ذاته، وتمكنه من التصالح مع جسده، وتمكينه من استعادة كبرياء ظل يفتقده لأمد طويل، فضلا عن الحظوة والتقدير اللذين يلقاهما أولائك الذين حازوا من الجمال – طبيعيا أو صناعيا – نصيبا مقبولا، سواء في الحياة العامة، أو داخل حجرات الدراسة أو داخل سوق الشغل؛ فقد أثبتت العديد من الأبحاث كتلك التي أجرتها كلية الدراسات الاجتماعية في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية  أن طالبات المدارس الثانوية الجميلات  الأنيقات يحصلن على نتائج أحسن من غيرهن، كما يحصلن بيسر على وظائف بعد التخرج، وهي ذات الخلاصة التي أقرتها الباحثة الفرنسية صوفي شوفال (Sophie Cheval) صاحبة كتاب “جميلة بشكل آخر” (Belle autrement) حيث ذهبت إلى اعتبار الجمال أداة تمييز بامتياز تقيم تباينا صارخا بين الأفراد يلازمهم منذ الصبا وبالضبط منذ مراحل الدراسة الدنيا وحتى مرحلة الدراسات العليا، إذ غالبا ما كان يقف في صف من يتمتعون بنصيب منه على حساب غيرهم ممن خالفوا الموعد معه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه نحو اتخاذ الجمال معيارا في بعض الوظائف، وقد وصل الأمر بإحدى المحلات التجارية المتخصصة في بيع الملابس المتواجدة بشارع الايليزي بفرنسا، علاوة على اشتراط جمال الجسد عند التوظيف، حد تضمين إعلاناتهم شرطا غريبا تمثل في حصر نوعية زبائنهم في أولائك الذين لا يتجاوز مقاس قوامهم 38 (بالمقياس الأوروبي) وهو تمييز سافر يقصي عن قصد وبنية مبيتة كل من يتوفر على جسد يخالف الجسد المثالي الذي تتضمنه وصلات الإشهار.

إن كل ما سبق يكشف لنا عن حقيقة صادمة وخطيرة في نفس الوقت، مفادها أن الجمال الخارجي، جمال الجسد على وجه التحديد، بات شيئا فشيئا يسجل تقدما في سلم التفاضل بين الناس وعلى جميع الأصعدة، تفاضل تساهم فيه الاعلانات المبتوتة في كل مكان، المروجة لجسد مثالي جعلت منه مستقرا لكل العلامات الإيجابية التي تتوق إليها نفس الإنسان: الصلابة والقوام المنحوت بالنسبة للذكر والأناقة والإغراء بالنسبة للأنثى، كما اعتبرته جالبا للسعادة أو بالأحرى لوهم سعادة تنطلي على الأفراد وينتفع بعائداتها المروجون لها من أولائك الذين جعلوا من الجسد حاملا اقتصاديا لا يستطيعون تمثله إلا عبر تشييئه وسلعنته. وهذا أمر خطير، والأخطر منه أن يفرز هذا الوضع، كما ذكرنا آنفا، معيارا جديدا في المفاضلة بين الناس في مختلف مناحي الحياة يقوم على الجمال ويسقط الكفاءة، ما يشي بعنصرية قاتلة صامتة، يراد لها، عبر آليات تنميطية متسارعة ومكثفة، أن تستوطن العقول وتتمكن من النفوس فيصير استبداد الجمال أمرا مقبولا وعاديا كما هو عادي أن نفاضل داخل الطبيعة بين منظر ومنظر أو بين مشهد وآخر.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*