الرئيسية | مدنيون.. وبعد | أي علاقة بين الفن المعاصر والتراث؟ | عزالدين بوركة
Rachid bakhouz, oeuvre 2016

أي علاقة بين الفن المعاصر والتراث؟ | عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

 

صرنا منذ أزيد من ستين سنة نتحدث عن “الفن المعاصر”، سواء شعرا أو موسيقى أو سينما أو تشكيلا، غير أنه ماذا نعني بالفن المعاصر؟ وما العلاقة الرابطة بينه وبين التراث؟ هل هو فعلا فن قطعي مع الماضي؟

يمكن القول بداية بأن الفن المعاصر في سعيه إلى تجريب أشكال بصرية جديدة اتجه وَجهَة الفن البدائي في محاولة لنهل من طقوسه وروحانيته بحثا من الفظاظة والغرابة. (أنظر فلسفة الصورة، عبد العالي معزوز ص 16) ويأتي المؤرخون على ذكر وتأكيد أن “الفنين الحديث والمعاصر” استمدا انطلاقتهما من الرجوع إلى “الفن البدائي” (الإفريقي بالخصوص)، في محاولة لاستدراج ماهيته وأشكاله في بحث عن تجريب معايير استيتيقية جديدة. كما هو واضح في أعمال كل من بيكاسو وماتيس وغيرهما، إذ استلهم كل منهما تقنياته ورؤيته من الفن الإفريقي بالخصوص إلا أنه استخدام بيكاسو للمصادر الإفريقية، يعد أكثر وضوحا من استخدام ماتيس لها غير أن ماتيس استمر في الحصول على مصادر إلهامه من الأشكال البدائية، وفق المفاهيم البنائية واستمراره في اتخاذ الطابع الإدراكي في المقام الأول.

عمل تركيبي للفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز

عمل تركيبي للفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز

فالفن الحديث والمعاصر هما وليدا، إذن، لتلك الرؤية الفنية البدائية، من حيث التوظيف الشكلي والألوان والتراكيب التشخيصية المبسطة ذات البعد الواحد. مما يجعلنا نقول أن “الفن البدائي” قدّم للفنان الحديث رؤى متجددة ومغايرة للاشتغال على العمل الفني (اللوحة والمنحوتة خاصة)، ومستمدا منه تلك التلقائية في التعامل والتفاعل مع الطبيعة (الحية والميتة) وخاماته التي يوظفها داخل العمل الاستيتيقي، كما أنّ هذا الفن جعل الفنان الغربي يطرح أسئلة فلسفية وجمالية كبرى حول الفنون البدائية وحضارات الشعوب الأخرى. مما يمكن القول أننا أمام نقل للبصمة البدائية إلى الزمن المعاصر عبر اللوحة التي تحضر كبوابة زمن.

فالفن البدائي بما معناه جزء لا يتجزأ من التراث يجعلنا أما طرحٍ لسؤال ما التراث؟ فالتراث ليس الخط أو المنمنمات أو الزخارف، ولا الجلباب والخيمة والناقة، ولا الدقة المراكشية والعيطة وكناوة فقط [كما يتوهم البعض]، بل هي كذلك فكر ونظريات خاصة حول الطبيعة والإنسان، تمكننا من دراسة الثقافات الأجنبية، كما يقول الناقد نور الدين فاتحي في مؤلف (في التشكيل الحداثي.. مفاهيم وأجناس) والاستفادة منها على أسس إنسانية لا نموذجا يقتدى به.. وليس التراث ما نخلّفه وراءنا ولا هو بماض مضى وانقضى، بل وعكس الأفكار الشائعة هو ما يحدّد مآلنا وصيرنا، إنه قدرنا. وعليه إذا ما حذونا حذو هيدغر فهو يلاقينا حيث نظنّ أننا تخلّصنا منه. يكيد لنا التراث كيّدا، وينصب لنا الفخاخ والحبائل، ويتلوّن بألف لوّن. التراث شكل الميتافيزيقا وهو من ثم نسيان للوجود. ما يفرض علينا مساءلته انطلاقا من استكناه المعنى الوجود، وإعادة التفكير في اللامفكر فيه والمقصود التفكير فيما بقي طيّ النسيان، وما بقي طي النسيان تحديدا هو الاختلاف: الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود. التراث بهذا المعنى لم يمضي بل هو مازال ولم يأت، ومن جهة النظر هاته ليس التراث سعيا إلى وحدة أو تطابق إنما هو حفر في الاختلافات وتعميق للفوارق، بمعنى آخر هو تصدّع لما نعتقد خطأ أنه هوية.

منحوتة لوحة الحرية

أو لنقل بصيغة أخرى، فالفن المعاصر كان ومازال يعود إلى التراث لاستلهام تجارب جديدة. فكما يقول هايدغر: “مازلنا نرى أن تراث يوجد وراءنا في حين أنه يجيء صوبنا لأننا معرضون إليه ولأنه قدرنا”.

لهذا تشكّل المعاصر في ذاتها، ما يقوله المفكر والسوسيولوجي المغربي عبد الكريم الخطيبي، “شبكة من عدة هُويات تشكيلية. إنها نسيج من الصور والعلامات.” فالفن المعاصر هو فن حداثي مكثف إذن، إنه بهذا هو الفن ما بعد الحداثي، فيذكر أوكتفيان إيسانو أنه يشير مصطلح الفن المعاصر هذه الأيام ـأي فن ما بعد الحداثةـ إلى نمط من الإنتاج الفني ازدهر في المرحلة الأخيرة من الرأسمالية العالمية التي تعرف بالليبرالية الجديدة في بعض البلدان، و بالمحافظة الجديدة في بلدان أخرى. في هذا تعتبر النحاتة والكاتبة الفرنسية أود دو كروس أن الفن المعاصر أصبح تنظيما ونظاما ماليا مع نهاية التسعينيات. لقد تمّ تشكيله بطريقة من الطرق ليصير منتَجا ماليا مركبا ومُؤَمّنا. فإن ترى دو كروس بذلك، فإننا لا يمكن أن ننكر أن الفن المعاصر صار أمرا ولا بد منه، لكون الفنان لا يمكن له ألا يكون إلا معاصرا لزمنه، أن يكون معبرا عن عصره من وجهة فنية سائدة، وأن لا يكون جزءا من عصرا ويتحدث بلغة غير اللغة المعاصرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*