الرئيسية | سرديات | ألحق بكم غداً | ميمون حرش

ألحق بكم غداً | ميمون حرش

ميمون حرش

   الليلُ، كلما مد أطنابه وأصماني بسهمه، أحاول، دون جدوى، أن أتصالح معه، ولكنه يصر، من جهته، كلّ مرة، على أن يتحدّاني؛ فينام “على جفوني”، ويجفوني..

نصحني الأطباء، الذين زُرْتُهم، بالرياضة، وبشرْب كوب حليب ساخن كما الأطفال، وبطرد الوساوس قبل النوم..

    “هـراء!.. من يجرؤ على طرد وساوس الحوب في زمن العولمة و اليوتيُوب…”

 التيه في بلاد الناس تكـفّل بالرياضة، أما الحليب (يا للسائل الأبيض!) فلقد حرّج الزمن عليّ أن أكتفي بما رضعته من أمي وللحق أقول: لم أجرّبه كرهاً فيه .. عاديته منذ كنت طفلاً .. لم أعرف له طعماً في بيت لم يشرب أهله غير الشاي. استأنسنا به كملك متوج، لا على المائدة – هذه نعدمها – وإنما فوق حصير متآكل ..  هو وجبتنا الرئيسة في الغذاء والعشاء! وأحياناً كان يغيب أياماً؛ فتعوّضه أمي بحكايات عن “ثامْزَا”. وبدل أن تسترق النوم من أجفاننا، تضيف، بما ترويه فوق الجوع والدمع يرفض من عينيها، ذلك الجزع الذي ظل يسكننا إلى اليوم..

اليوم كبرتُ (لست أدري كيف حصل ذلك مع هذا “الخبز الحافي”)، وأنا – على كل حال – دابة، كبقية الدوابّ .. رزْقها على الله. كبرت رغماً عن الجوع والفاقة والمرض، ومع ذلك تدبّرت أمري، ولم أتسول خبز يومي من أحد، رغم أن سهم الخطوب رشقني بمصميات، بدل أن ترديني قتيلاً تآلفتُ معها وتعايشت؛ كما المريض مع داء مزمن .. ولم يحزَّ في قلبي سوى شيء واحد، هو أني عاطل من العمل في زمن الحقوق، واليوم حين أرى إلى مكتبتي المتواضعة، وكتبي المنثورة كحبات الرمل من حولي، أتساءل: ما جدوى أن أعيش لمجرد أن أتنفس؟…

  أحياناً كثيرة أقارن نفسي بالبغل الذي كنا نملكه، قبل أن يبيعه أبي مضطراً.. هو صحيح كان يحرن، لكنه بغل، وأنا مثله. وفوق ذلك، أنا عكسه تماماً، ورغم شهادتي الجامعية أنقاد لأسيادي، ألبـي طلباتهم، أشتغل عندهم لأوفر لقمة عيشي دون أن تصدر عني كلمة “أف”، تصريحاً أو تعريضاً .. يمارسون علي ألواناً شتى من التعذيب، ويُنْزلون بي، في سادية ماتعة بالنسبة إليهم، قهراً يجْبرني على أن أشتغل ساعات طوالاً لا أستريح فيها إلا لماماً…

  في الليل أتعب، ولا أحد يرثي لحالي .. أجل أتعب كثيراً، وحين لا أنام، رغم تعبي، أفكر كثيراً في وضع حدٍّ لهذا الكابوس…

“يا الله، ما أبطأ قدوم الصباح على منتظِره! وأنتِ، أيتها النفس، اهْدَئِي، فمن أجلك أشرب حتى الثمالة، ليلي مربوط كأنه يجر من ذيله .. أظل أسامر نفسي، أدخن، حتى ينشر الصبح راياته؛ فأنتشر، وأبحث عن لقمتي…”

   لياليَّ نابغية، أستمرئ فيها سهادي، وأنتظر ما لا أعرف… لذلك، أفكر الآن بجدّ في أن أغادر هذا المكان، وأمضي…

أنا فضلة في هذا الزمن..

لا زوج، ولا أولاد..

لا في العير، ولا في النفير..

وأمثالي – لست أدري كم نحن- قمين أن يرحلوا ..

أن ينتحروا…

أجل، هذا هو .. عليّ أن أنتحر… سجِّلوا عني هذا! لقد عزمت وتوكلت… منتحر جديد قادم  إليكم أيها المنتحرون..

 لكن قبْلاً علي أن أهيئ لموتي. سأزفّ نفسي للهاوية .. أنزل إليها كدلو. أصعد إليها كإشاعة. سأحبو نحوها على أربع .. لا يهم .. أن يسحقني الألم الذي سيؤدي إلى الموت هو الأهم…”.

 وفي الليل، كل ليل، ينخرني الأرَق؛ كما الأرَضَة مع الخشب، وأنا أفكر في الموت؛ فتجد فكرة الانتحار في رأسي الثقيل مرتعها، ومثل الحمى تزورني كلما وقب غاسقي، وتنكُت في رأسي الفارغ… لقد بدأت الآن أخطط لنهايتي الوشيكة، ولن أسألكم – أيها المنتحرون- كيف صارت الأمور معكم؟.. لـِمَ العجلة؟.. دعُوني، بدلاً من ذلك، أستمتع بسهادي .. فحين لا أنام، أفكر جيّداً…

أمامي الآن حبلي .. ها أنا أفتله على شكل طاقيْن. سأشكل منه أشروطة، سألفّها حول عنقي غداً، وربما بعد غد .. لكن لحظة.. لا بد لي من الخمر. عليّ أن أسكر أولاً حتى إذا غادرت، سيقول الشامتون: “الخمرة دارت في رأسه، وفعلها “الزايخ”…، وستقول فئة أخرى: “اللعنة .. مات كافراً”، والثالثة، والرابعة… الجميع سيدْلون بدلوهم بين الدّلاء… لكن هؤلاء أين هم الآن؟ ولِمَ يكثرون فقط  في الفضائح؟!

   مشكلتي الكبرى أني ضُل ابن ضلّ، فمن سيكتشف جثتي؟.. ومن سيشيع خبر انتحاري؟.. ومن سيبكيني؟..

    أسئلة .. أسئلة .. أسئلة، وليلي طويل، بلا آخِـر!

واهاً، أيتها النفس، يا لهفي عليك “إذا أدلجوا عني، وأصبحتُ ثاوياً “!

اكتشاف الجثة ستتولاها رائحتي النتنة… والبكاء ليس مشكلاً .. سأبكي نفسي. أشيّعها. أبكيها قبل أن أسْلم روحي… دموعي تجف الآن، ولا تهمي تحت الطلب. لقد نزف البكاء دموع عيني في كل ليل لا أنام فيه؛ لذلك، سأدع دموعي تحرن الآن لتمارس علي سلطتها… فلو يدرون كم بكيت وأبكي في صمت…؟ داخلي نهرٌ من دموع سنين عمري، وفرتها لليوم الأسود، ولي منها من الفائض ما يمكنني من أن أعير لغيري عيني ليبكي بها لو أراد ..  وحتى إذا فكروا في تشريح جثتي، سيرتكبون خطأ عمرهم .. أجلاف يكونون .. إنهم حتماً سيغرقون في محيط من الدمع… وهذا لوحده يكفيني، فلا داعي إذاً إلى البكاء…

    وماذا عن القبر يا فهيم؟ !

سأحفره بنفسي، وسأوصي سيدي الذي أشتغل عنده، والذي يستغلني، أن يحشرني فيه. وإن خاف على سمعته، فلْيكن وقت ذلك ليلاً .. سيقبل إذا أخبرته بأني، مقابل هذه الخدمة، سأشتغل أضعاف ما يأمرني به، ودون مقابل .. إنه يكنز الدينار، ويعبد الدولار، وإنه مستعد أن يحالف الشيطان، ويعبد النار، فكيف بمنتحر يبغي فقط أن يهيل عليه التراب، وهو يحشره؟…

هذا أمر محسوم .. بقــي أن أختار يومي… لكن علي أن أنام قليلاً حتى تصفو نفسي، وأمنح ذهني راحته.. أتمدد. أستلقي على ظهري. أغمض عيني… ولكني لا أنام .. لا أنام!..

“أيها الراقدون، طوبى لكم  ..ليلكم موصول بنهــار،

ترقدون ولا ترْثون لحالي، ولياليّ نابغية، بلا آخــر..

تمتعوا بعالمكم… أما أنا  فسأغادر..

غداً، سأنتحــر…

يا لهف نفسي على غــد!…

وغداً حين تكتشفون جثتي، لا تقرؤوا الفاتحة علي .. إنما على أرواحكم…”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*