الرئيسية | سرديات | أرواح تأبى الاندثار | كريمة كربيطو

أرواح تأبى الاندثار | كريمة كربيطو

كريمة كربيطو

الخامسة والنصف مساء. أحسها تسيل في قلبي دقائق. جالسة على رصيف منهد مقابل لمقهى “زينة”. أنتظر مجيء الكوتشي الذي تعود أن يقلني من الجامعة منذ سنوات. أرقب الشمس وهي تنسحب ببطء وخجل وراء أشجار الكاليبتوس المصطفة على الشارع العام. شمس الشتاء دافئة الملمس على كتفي. شجيرات الليمون الصغيرة الشاحبة، التي كنت أتسابق لقطف كرومها رفقة أختي مازالت سامقة أمام باب المقهى كل هذه الأعوام. نسيمات باردة تلف المدينة. أحس بارتعاشة باردة تغمرني. الحركة تدب في المقهى المقابل لي. أتابع من بعيد بنظرة غائبة خطوات النادلة وهي تتوجع من برد المساء وتتجول بين الموائد الزجاجية المزركشة مستعرضة بين يديها : فناجين القهوة، كؤوس الشاي المنعنع… همس أغنية فرنسية جميلة تنساب من الحاكي هادئة. تطفو على سطح الذاكرة ذكريات قرمزية لأشباح ماض متدثر بالسواد. تذكرتني صغيرة أقف وجها لوجه مع  المقهى رفقة أبي في الليالي الباردة، ألمح رواد المقهى الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، يدردشون من السادسة مساء إلى الثانية عشرة ليلا. القهوة السوداء العطنة والسجائر الرديئة وموسيقى الراي وألحان غوانية تكتسح الفضاء الضاج بلاعبي الورق وتثقب من بكارة الليل.

هاهي ذي العربة تتقدم شيئا فشيئا نحوي. صعدت. جلس بجانبي وبدأ يحدق في باستغراب وأنا أتفحص أوراق كتاب بعناية، وعندما وجدت الصفحة التي كنت أبحث عنها إنغمست في القراءة. لكن عيونه لا تزال تتفحصني، كان يجلس بشكل مائل قليلا في اتجاهي و كان قريبا جدا. شعرت بأنفاسه وتملكني شعور غريب شتت تركيزي وقلت في نفسي : لما لا أعطي لهذه اللحظة ما استطعت من الوقت و أستفيد من أدق تفاصيلها؟ فهذه النظرات التي تفترسني شوشت بعضا من تفكيري، ولا بد أنها تستحق مني قسطا من الإهتمام، فلابأس بقليل من الراحة لبضع دقائق التي يستغرقها الكوتشي للوصول إلى المنزل. وبنظرات مسروقة خجولة نظرت إليه كان رجلا نحيفا جدا شاحب الوجه وعيناه ذابلتان شوهت جبينه خطوطا متوازية من الغضون كان يضع فوق رأسه قبعة بالية من الصوف، يرتدي معطف من الكاشمير بكمين قصيرين جدا وسروالا من الجينز  زينته بقع سوداء من الأوساخ، خامرتني فكرة في كونه يعمل في إصلاح عجلات السيارات وفي قدميه حذاء رياضي أسود عقدت أحزمته بقليل من العناية. كان الجو باردا وهو يحك يدا على الأخرى كبدائي يحاول إشعال النار للتدفئة ثم يضعها بين فخديه وأنا أسترق تفاصيله إلتفت إلى صديقه الجالس بالجهة الخلفية للكوتشي وقال له بصوت بدوي غلفته الفرحة والحماس كما لو أنه طفل صغير يرى لأول مرة مدينة الملاهي :

  • “هدي هي العاصمة اعبد الصمد”

 أيقظتني كلمة العاصمة من تيهي في تفاصيله بسذاجة مني. ضحكت، لكن ما إن نضرت حولي زادت حيرتي. وجدتني في بحر من الأسئلة، ما علاقة هذا المكان المتخلف الذي تحيط به القذارة والنتانة والمعروف بالمجرمين والمنحرفين بكلمة العاصمة؟ ظللت أفكر في السبب، لكن لم يستطع عقلي أن يجد جوابا يقنع فضولي. كما أن خجلي عجز على أن يتحرر بسؤاله وفي وسط تفكيري استسلمت و فتحت حقيبتي اليدوية وضعت بها الكتاب وأخذت محفظة نقودي بيأس فتحتها و أخرجت 50 ريال أجرة الكوتشي و أنا أفكر في أني اقتربت من النزول وكم صعب بالنسبة لي أن أمضي بدون جواب. قال الرجل :

  • رائحة زكية فاحت من حقيبتك…

 و أخيرا قلت في نفسي ثم أجبته :

  • إنها رائحة بعض الفواكه الطازجة. أنا غالبا ما أحملها معي لحالات الجوع المفاجئة.

 أخرجت تفاحة وبعدما مسحتها بمنديلي. قلت له :

  • تفضل اقبل مني هذه.

أخدها ببساطة و هدوء رهيب قلت لصاحب الكوتشي:

  • “شي بلاصة هنا عافاك ” … لكن لدي سؤال من فضلك : ما الذي جعلك تقول على مكان مقرف كهذا عاصمة؟

 ضحك وقال :

منذ مدة وأنا أشم فقط الروائح الكريهة، أنستني حقا رائحة التفاح الرائعة.. شكرا لك عزيزتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*