الرئيسية | ترجمة | شكير نصر الدين: ينبغي التصدي للرداءة الأدبية

شكير نصر الدين: ينبغي التصدي للرداءة الأدبية

حاوره : عبد الواحد مفتاح

يعتبر شكير نصر الدين، أحد الناقلين الأساسيين لباختين للعربية، حيت أنه واحد من المترجمين المغاربة الأكثر غزارة وأصالة في أعمالهم، ذلك أن ترجماته للويس كارلو، ولغويوم ميسور، وفانسو جوه، لاقت اهتماما نقديا مهما، وترحيبا كبيرا من طرف جمهور القراء.

يمتاز مسار هذا المترجم، بتقديمه للعربية أعمال قيمة، وغير مشروطة بتسليط الأضواء الإعلامية، أو البهرجة التجارية عليها، ما جعله يشتغل في منطقة خاصة ومتميزة تتفرد بالأصالة والجدة.

فصاحب ترجمة (النقد الأدبي) لجيروم روجيه و(صمت الألهة) لجيلبيرت سينويه و(الفرودية) لمخائيل باختين إضافة إلى أعماله الترجمية هو ناقد أيضا وسم مساره بالإختلاف، والتمكن من منهجيته الأكاديمية ما جعله أحد المترجمين المغاربة المرموقين مشرقيا. في هذا الحوار نستحضر معه جانبا أساسا من مساره، ونلقي الضوء على جملة من القضايا والطرحات التي تشغله.

  1. على سبيل البداية، ما النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟ خبّرنا قليلا عن البدايات؟

1 يشقّ عليّ تذكر النص الذي صنع ذلك، ربما لم يكن نصا مكتوبا، فالنصوص التي فُتح عليها الوجدان كانت شفهية، محكيات الأم، لأن الجدة في حالتي لم تتكفل بهذا الدور المأثور، ربما أيضا، المحكي الشعبي في “الحَلْقة”، أو هي دروس التاريخ التي كانت سردية أكثر منها تفسيرية، بحيث كنت أستمتع كثيرا في حصص درس التاريخ بتخيل فضاءات المعارك، وسحنات الأبطال من سلاطين وملوك وأمراء، وغزاة؛ لعل النص المكتوب الذي خلَّف أثرا كبيرا في وجدان الطفل الذي كنته هو رواية “ابن الفقير” للروائي الجزائري المغتال، مولود فرعون، الذي شدّني كثيرا وبهرتني حكايته، لعله أيضا طبعة جميلة وجدتها في مكتبة الوالد، من “ملحمة جلجامش”؛ وبصفة عامة كان للمحكي سحره الآسر الذي جعلني أسقط في حبال القَصَص، حتى لا أقول ورطة، فهذه الأخيرة يبحث المرء عن الخروج منها، أما الخيال الممتع، فهو أشبه عندي بتلك “المتاهة” التي ندخلها عن طيب خاطر، والتي لا نريد الخروج منها…

  1. لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة انتاجك، ماذا عن طقوسك الكتابية ؟

 ليس هناك طقوس في حقيقة الأمر، يكفي توفر قلم حبر وأوراق بيض، في زمن البدايات كان في الوسع الكتابة حتى في فضاء المقهى الضّاج بالرواد، أما وقد توفر للناس الكتابة بوساطة الحاسوب الشخصي، فيكفيني فنجان قهوة، للشروع في الكتابة، نقدا أو ترجمة، إذ لم أعد أكتب في مجال الشعر والقصة، لأسباب قد ألخصها في ما يشبه استصغار ما كنت أكتبه مقارنة مع كبار قرأنا لهم، أمثال عبد الرحمان منيف وجبرا ابراهيم جبرا، ونجيب محفوظ، أو محمود درويش، وسميح القاسم وسليم بركات شاعرا وروائيا. شخصيا، ابتعدت عن الكتابة في هذين الجنسين الأدبيين، لأني كنت أقول مع نفسي، إما أكتب في مستوى هؤلاء أو لا أكتب؛ شيئا فشيئا ترسخت القناعة بالكتابة في النقد والترجمة التي كنت أزاولها بالتزامن مع الإبداع شعرا ونقدا.

3.في منظورك، ما وظيفة الناقد اليوم؟

مثلما أن الكاتب في الرواية أو الشعر أو غيرهما، لا يستطيع الخروج عن قواعد الكتابة المتعارف عليها، حتى حينما يجدد أو يخرق أو ينزاح، فإن الناقد دائما يكتب داخل سياق أدبي وفكري موجود وسابق عليه. إذ ليس هناك من يكتب أو ينقد وكأنه أول من يفعل ذلك، هناك فضاء يضمه، هو أكبر منه، إنها الحوارية باختصار التي  أسس عليها باختين مشروعه النقدي الكبير. وهكذا، فالناقد تحيط به وفي أفقه المنظور كتابات كثيرة ومتنوعة، ولا يستطيع الإلمام بها جميعا، قراءةً، فبالحري نقدا، لكنه يستطيع أن يتناول ما يراه معبرا عن  ذائقة، أو فكر جيل، أو تقنية في الكتابة مهيمنة، أو قد تكون متفردة. هذا من حيث التلقي، لكن بخصوص المقاربة، وزاوية النظر فهي ليست واحدة ووحيدة. إذ ليس هناك ناقد في المجرَّديتعامل مع النصوص في لحظتها الخالصة، فالنص مهما تفرد هو امتداد لنصوص سابقة عليه، حتى ولو دخل معها في صراع المغايرة؛ الناقد هو من يرصد التحولات والامتدادات، الذي لا يبقى سجين الزمنية الصغرى بل يتخطاها، بكثير من المجازفة إلى الزمنية الكبرى؛ هذه النظرة للنصوص، العربية والمغربية بخاصة، تستطيع أن ترصد لنا درجة الاتباع والإبداع فيها، ومن هنا تظهر نسبية الكمّ مهما كثر، إذ قد تخرج إلى عالم النشر مئات الروايات والنصوص الشعرية في العام الواحد، لكن المعيار المومأ إليه سابقا يسمح باختزال هذا الكم الهائل إلى نصوص تعد على رؤوس الأصابع، إذ حينما يصطفي ناقد معيَّن نصا من ضمن عشرات فذلك بالنظر إلى التكرارية والتشابه فيها جميعها. إنه الانتقاء الطبيعي لو جاز القول بهذه الصورة، البقاء للأقوى؛ يكفي الاستعانة بالتاريخ الأدبي للتحقق من هذا المبدأ، كم هي النصوص التي تم إنتاجها؟ ما هي النصوص التي تم الاحتفاظ بها منها، بغض النظر عن آليات النشر والدعم، والتكريس النقدي المصنع؟ مسألة أخيرة، وأعتقد أننا لم نفلح حتى الآن في فرضها، صراحة، وهي أن النقد من ضمن ما يعنيه، هو نسْفُ النصوص، بمعنى تنقية الجيِّد من الرديء، الأكيد أن الانتقاء هو نسف، لكنه يسكت عن النصوص الرديئة ولا يشير إليها بالاسم، نحن في أمس الحاجة إلى نقد يفضح تلك ” النصوص” التي ليست جديرة حتى بهذه التسمية، بله الاعتراف بها؛ أذكر أن مجلة مشرقية، لعلها مجلة “الهدف” إن أسعفتني الذاكرة، كانت تخصص ركنا في صفحتها الثقافية، له عنوان مثير” الدليل إلى الكتاب الرديء”، وفيه يعرض صاحب الركن للكتاب نقدا يبين رداءته، ذاكرا العنوان والمؤلف   ودار النشر. لم يعد يكفي اليوم التلميح غمزا وبإشارات غامضة إلى الرداءة، ينبغي التصدي لهؤلاء المتطفلين على الكتابة، حتى يعودوا إلى نصوصهم تصحيحا وتصويبا وتجويدا.

  1. ترجمتَ ثلاثة كتب لميخائيل باختين ” جمالية الإبداع اللفظي”،” أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية…” و” الفرويدية”، إضافة إلى كتب نقدية أخرى .كيف تجد فعل الترجمة كإبداع مواز؟ ثم من أين تستمد كامل الإصرار على هذا الفعل النبيل في ظل واقع ثقافي غير مشجع ومتضعضع؟

  هل الترجمة فعل مواز حقا؟ وإن كانت كذلك، فأي نشاط أخر توازيه؟ كل ما أعرفه أن تعريف الترجمة لم يترسخ في حدّ ثابت، بلغة المناطقة، ومثلما أن الكتابة لا تستقر في تعريف واحد فالترجمة هي بالمثل. والاختلاف ناتج بالضرورة عن زاوية النظر. هل ننظر إليها بوصفها منهجا للتعليم والتعلم؟ أم نعتبرها في مجالها التداولي الوظيفي الصرف؟ لكن المؤكد أنه لابد من حصر المجال، وتضييق النطاق في مجال التداول الأدبي والنقدي. بهذا المعنى الترجمة نشاط ثقافي فاعل، وللتدقيق، تفاعلي. إذ حينما نترجم من لغة إلى لغة أخرى، يتخذ ما نترجمه مكانه في مشهد ثقافي جديد، يصير بدوره فاعلا في نصوص أخرى منجزة في حقول تداولية مغايرة، وأقصد بالقول هنا، دور الترجمة في الفضاء الجامعي، تدريسا، وتأليفا، ما ترجم من أمهات الكتب النقدية الغربية في ثمانينيات القرن الماضي، كانت آثارها بادية حينها في التعريف، والترسيخ لنقد مغاير، كما أن تلك الترجمات أثمرت في مجال الرواية والقصة، كما نجني اليوم ثمارها بتبوء النقد الأدبي المغربي اليوم ومنذ فترة غير قصيرة مكانة رائدة في الدرس النقدي العربي.

2

  أما عن الإصرار رغم الوضع مثلما قمتم بتوصيفه، فأنا أنظر إلى المسألة بنسبية كبيرة جدا وبشيء من المرونة، إذ  متى كان الإبداع سهلا، وبسيطا حتى يتذمر المرء من ولوج غماره؟ ثم حينما ننظر إلى كبار المبدعين الذين خلَدهم التاريخ الأدبي، ونستحضر الظروف التي اشتغلوا فيها، يهون وضعنا الثقافي بكل ما فيه من نقائص وعبث. كما أن المبدع ليس موظفا عند أحد، ولا يجب له أن يكون، لا ينبغي له انتظار جزاء ولا ثناء، إلا استحسان القراء والظفر بمحبتهم، مثلما أننا نحب بودلير دون أن نراه، أو المتنبي، أو غارسيا ماركيز؛ أحسن مكافأة هي أن يثني عليك في السّر قارئ لا تعرفه، في مكان ما من هذا العالم؛ يكفيني هذا الثناء الروحاني الذي لا نزنه بعدد الصفحات ولا الكتب ولا مبلغ الرصيد في البنك، فالكتابة إسهام في إرث رمزي تراكمه الأجيال، وليست مراكمة للألقاب…

  1. صاحبتَ لمدة طويلة أعمال الروسي ميخائيل باختين، وهي مصاحبة جعلته من خلالها مرئيا عربيا عبر ترجمته، ما أفاد المكتبة العربية كثيرا. سؤالي هنا: لماذا باختين بالضبط هو رفيق شكير نصرالدين؟

  لم يكن باختين أول مفكر أترجم له، إذ ترجمت نصوصا مفردة، عبارة عن مقالات وفصول من كتب، سواء للناقد الفرنسي رولان بارت، أو جوليان. أ. غريماص، أو الفيلسوف فوكو وغيرهم، لكن وسط هذه الكوكبة، في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، كنتُ أقرأ للمفكر الروسي ميخائيل باختين (1895 ـ 1975)، ورغم سطوة هؤلاء المؤلفين وغيرهم، التي كانت أعمالهم تحسب على النقد الشكلاني في صيغته الفرنسية، أو ما اصطلح عليه بالبنيوية وامتداداتها في علم السرد والسيميائيات والفلسفة، كنت أستوحي في كتاباتي النقدية آنذاك أفكار ميخائيل باختين مع التحليل النصي الدقيق للنصوص مثلما في المنهج الشكلي الفرنسي، أي كنت لا أقنع بالانغلاق داخل النص، بل كنت دائما أجدني أعقد روابط مع نصوص سابقة عليها في الزمان وفي المكان، والمتصفح لكتابي النقدي ” أبحاث نقدية”، الصادر عام 2015 عن دال للنشر، سوريا، سوف يجد هذه المقاربة الداخلية الخارجية في آن معا للنصوص. وكلما أعدت قراءة كتب باختين، ومنذ أن أكببت على ترجمته بداية تسعينات القرن الماضي، ترسخ عندي هذا النهج الحواري للنظر في النصوص، باعتبارها خطابات هي جزء من كل، تربطها صلات كثيرة أشد من الفروقات الظاهرة، ثم إن التعلق بباختين كان يزداد كلما اطلعتُ على مباحث أخرى تهتم بدراسة النصوص والخطابات، فكنتُ أجد أفكار باختين هنا وهناك، بفارق زمني يصل أحيانا إلى عقود كثيرة:يكفي هنا أن أضرب مثلا عن ريادته في تحليل الخطاب بكتابه القيِّم ” الماركسية وفلسفة اللغة”(1929) الذي أسس لتداوليات الخطاب كما سوف يعرفها الغرب خمسين عاما بعد ذلك. والأمر كذلك عندما نستحضر السيميائيات أو علم السرد وغيرها من المباحث. وإذا كان من عبرة قد يستخلصها المرء من هذا التنوع والثراء، فهي أن باختين كان بتلك الصفة لأنه كان قارئا كبيرا، وبلغات كثيرة منها الألمانية والفرنسية والانجليزية فضلا عن لغته الأم، الروسية، قارئا وناقدا منظرا لا يقصي المجالات المعرفية ولا يتخندق داخل مبحث معرفي واحد ولا يتعصب له، بل إنه كان يُعمل مبدأ الوصل، وليس الفصل والإقصاء. لقد كان تعدديا في بلاد حكمها الفكر الوحيد، المتعصب والجامد لزوما.

2

  1. أنت ناقد ومترجم دون مفاضلة؟ أثرت أعمالك الترجمية كتابتك النقديةبشكل بيِّن، كيف ترى كناقد الساحة الثقافية المغربية اليوم؟

 لعل المثير للانتباه اليوم بخصوص المشهد الثقافي عموما، والنقدي منه على الأخص هو تتعدد المناهج والتوجه نحو التخصص أكثر في الآن نفسه، وإن كانت السمة الغالبة هي الاشتغال وفق قيود المنهج  دون إفساح المجال للنص حتى يقول شيئا آخر غير ما يريده ذلك المنهج؛ أي أن الشكلنة والصورنة تؤدي في نهاية الأمر إلى تشييء النص، وجعله ذريعة فحسب لإبراز مدى ورود المنهج وإوالياته؛ وهذا مظهر رصدناه منذ سنوات، سواء في منجزات روائية أو في دراسات نقدية، الأولى فهمت تعدد الأصوات بحرْفِيته، فكان أن صار كل كاتب رواية يتعمد توزيع السرد بين شخصياته، والحال أن التعدد البوليفوني ليس ظاهرة سردية، بل هو ظاهرة أفكارية، فالتعدد البوليفوني إيديولوجي لزوما، كما أن الكثير من الدراسات النقدية باتت أقرب إلى شبكات قراءة جاهزة للاستعمال حسب الطلب، يكفي تغيير عنوان النص قيد الدرس واسم مؤلفه للحصول على الخلاصات ذاتها! وقل الشيء نفسه عن الكتابة بضير المتكلم، والسرد السير ذاتي الزائف أو المتخيل الذاتي وغيرها من الأسماء، لدرجة أن الاهتمام بالأشكال والمفاهيم والمقولات الفنية والجمالية صار غاية في ذاته، وهي في الأغلب مقولات ومفاهيم رأت النور تحت سماوات غير سمائنا هذه، فالكل قلَّد ما سمِّي “الرواية الجديدة”، والكثير جرَّب الكتابة على نهج ما جاء في تنظيرات جيرار جنيت، بتغيير البؤر السردية، وطائفة ثالثة ذهبت بالنص “المنكتب” إلى نهايات لم يتخيلها رولان بارت نفسه، ورابعة جعلت من النص المتعذر قراءته هدفا لها حتى صارت النصوص أشبه بالخان الإسباني؛ لكن شيئا فشيئا هدأت هذه الفورة، في مجال السرد على الأخص، وآمن كتاب الرواية أخيرا، أن الرواية الجيدة هي التي تستند إلى حكاية، ولا إفراط في صنعتها السردية، ونحن الآن نرى ان الروايات المغربية التي حققت نجاحا، على الصعيد العربي، هي تلك التي لم تركن إلى فن الصنعة فقط، بل التي صهرت المحتوى والشكل ومادة البناء في معمار تأليفي فني وجمالي متكامل؛ ما نحن في حاجة ماسة إليه اليوم، هو هذه المقاربة التكاملية، إبداعا ونقدا. لدينا تجارب نقدية متميزة، في النقد الأدبي، والبحث اللساني وفي الأنثروبولوجيا، وباقي العلوم الاجتماعية، ما ينبغي الإقدام عليه هو وصل هذه المباحث، ليس بطريقة توفيقية مرغِمة، وإنما بانتقاء ما قد يعين في تشكيل نقد مغربي مفرد، يعكس بحق ” النبوغ المغربي”، تصور معي ما قد نجنيه نقديا من وصل أعمال، المختار السوسي، جرمان عياش، محمد جسوس، عبد الله العروي، عبد الله حمودي، عبدالفتاح كيليطو، عبد القادر الفاسي الفهري وسعيد يقطين، على سبيل المثال لا الحصر! لا ننسى أننا بلد متعدد الثقافات، وضارب بجذوره في القدم، وهذا إرث لا يجب القفز عليه، بالاكتفاء باستهلاك ما يرد علينا، سواء كان من الشرق أو من الغرب…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.