الرئيسية | سرديات | العين والزلزال | أحمد بوزفور

العين والزلزال | أحمد بوزفور

– خرج من السينما في زحمة الخارجين، واشترى الجريدة الصباحية وطواها في يده دون أن يلقي عليها نظرة، وسار في الشارع المضيء وفي ذهنه تموج الصور العارية مختلطة بضجيج السيارات، وقال لنفسه: الليلة باردة، ونظر إلى ساعته فوجدها في منتصف الواحدة. ضاع ضجيج السيارات في الفضاء ،وبقي الشارع  مقفرا وباردا وطويلا، لم يكن ينتظره أحد في غرفته ولذلك كان يسير على مهل، وسبابته تنفض عن السيجارة القصيرة رمادا لم يتكون بعد، وقال لنفسه: يجب أن أفكر في شراء معطف وقبل أن يصل إلى باب العمارة كان قد قلب ذهنه طرقا متعددة للحصول على معطف شتوي، فكر في التقتير وفكر في القرض، وسمح لنفسه بترف التفكير في السرقة، وحين كان يتخيل الواجهات الزجاجية المضاءة تحوطها أعين العسس، فكر في أنه قد يعثر فجأة على حقيبة نقود في الطريق، وسخر من نفسه وهو يمسح بعينيه زوايا الشارع.
صعد سلم العمارة في إعياء وهو يعد الدرجات، وحين وصل إلى شقته وجد أن الدرجات لا تزال ثلاثا وثمانين، وفتح الباب وأشعل الضوء.رمى بالجريدة على الفراش وصنع لنفسه فنجان قهوة، خلع ثيابه ولبس البيجاما ثم دخل في سريره، أشعل السيجارة القصيرة وشرب جرعته من الفنجان ثم فتح الراديو ونشر الجريدة بينه وبين زجاجة الكهرباء.
2-كثير من الناس لا يؤمنون بالحظ، ولكن أنت، ينبغي أن تؤمن به، خصوصا الآن، هل كنت تحلم باصطياد فاتنة كهذه؟ وبمثل هذه السرعة؟
– مساء الخير- مساء الخبر- الليلة باردة، وأنا وحيد، لم لا نقضيها معاً؟ – لم لا؟. وها هي في يدي معلقة كالثمرة، كعنقود من اللذة، وخلف الفستان الأنيق الأسود يرتعش اللحم في اشتياق، يتنفس من الزغب الناعم سكرا، ويبغم قبلات، سأعريها تماما. أغلق الباب والنافذة، أسدل الستائر، أشعل الضوء والأحمر فقط، أطلق موسيقى خفيفة وأعريها، أقشرها كتفاحة واشمها، كبرتقالة أمر بشفتي على كل الأجزاء وهي طرية ناعمة دافئة، اسكرـ انتشي أذوب، اصب نفسي في طراوتها ودفئها، أتخلل عروقها، أمص النخاع، والموسيقى خفيفة ناعسة، والضوء أحمر أحمر شفاف شفاف، والهمس خافت، أبح، زاخر، جياش، والحب طفل يضحك يكركر،يهرب، يتهارب، يغمز، يختفي.
أغلقت الباب والنافذة أشعلت الضوء، أسدلت، وحين استدرت إليها وجدتها عارية على السرير، جحظت عيناي، كان لحمها أسود متفحما كالجمر المنطفئ وشعرها أكرت أشهب كالعرعار، وكانت تقهقّه قهقهات مرعبة من فمها الواسع المظلم كمغارة.
حاولت الصراخ فلم استطع حاولت الهرب ولم أعرف إلى أين ولم تطاوعني قدماي، فجأة صرخت واندفعت إلى الباب ولكنها تناولتني بيد طويلة يابسة كالمذراة،سلت لساني من فمي وأكلته مزقت ثيابي وفصلت يدي اليمنى ورمتها في المغارة وفصلت اليسرى.. كنت اصرخ بعروقي وجروحي ودمائي وهي تفصل أطرافي..لم يبق إلا الرأس… أكلت مخي،فضمت أنفي، مزقت وجهي بأظافر متسخة طويلة، سلت بسبابتها عيني اليمنى ورمتها إلى المغارة وتلمظت،لم يبق مني إلا عين وحيدة أخيرة.. سقطت على الأرض وجريت، لم أكن إلا عينا صغيرة مسكينة وحيدة تجري في الغرفة الضيقة مذعورة، وكانت الغولة المتفحمة السوداء تجري من ورائي وأنا ألوب حول أرجل المنضدة والمقاعد كالوزغة، وجدت أمامي جحرا صغيرا في أسفل الحائط فدخلته، أدخلت الغولة من ورائي سبابتها الطويلة فلم تلحقني، التصقت بأقصى زاوية في الجحر وأنا أرتعش بردا وخوفا ووحدة، وكلي رؤية، لا حاجب ولا أهداب، أرى وأرى باستمرار، دون إغماض ودون نوم ودون ظلام. محكوم علي بالرؤية المؤبدة والغولة المتفحمة خارج الجحر وأنا ابحث خيوط العناكب دون جدوى عن شعرات هدب أو حاجب.
3- أفاق من نومه مذعورا في أذنيه الرجة الهائلة، عاصفة كونية؟ أسرع إلى النافذة وفتحها فسمع الصرخات، ورأى الرجال والنساء والأطفال يخرجون إلى الشارع، بملابس النوم.. لابد أنه زلزال.سقط جزء من السقف على أرضية الغرفة،فتح الباب في لهوجة وأسرع يهبط الدرجات الثمانين قفزا،صرخ إلى الشارع واختلطت في ذهنه الرجة الهائلة بأصوات الاستغاثة والبكاء،ابتعد عن زحام الخائفين ودخل في شارع آخر كان مقفرا وموحشا، وأضواء العمارة منطفئة، والناس نيام،نظر إلى الجدران فوجدها صامتة وكئيبة، لم تبدو الجدران كئيبة دائما؟ لو وضعوا الجدران في الجنة نفسها لبدت كئيبة، جس بسبابته احد الجدران فتساقط الجص والتراب ، ارتد إلى الوراء هلعا… المدينة ستنهار.
4- أسرجت الحاجب وامتطيته ورحلت. سافرت في النهار، وحين أقبل الليل كنت اجتاز غابة كثيفة الأشجار، ووقف الحاجب فجأة وأنزلني من فوق ظهره وأجلسني تحت شجرة كبيرة متشعبة الأغصان وابتعد عني، لم أفهم شيئا، وكنت ارتعد من البرد،جمع الحاجب أغصانا جافة وأشعل النار، لم تكن النار إلا نارا، لم يكن فيها ضوء،وبقي الظلام كثيفا. أخذ الحاجب بيدي وأجلسني بجنب النار، لملمت أهدابي وأنا أرتعد واطليت، وكان الحاجب يصنع القهوة، وفي اليوم التالي بلغنا مدينة كبيرة صاخبة، كان الحاجب يسير في الشوارع قابضا على يدي وأنا أحملق في الجدران والناس والسيارات، ودخلنا فندقا كبيرا مزدحما، وسجل الحاجب اسمه في دفتر الفندق وقال للكاتب أنها زوجتي وحين تردد الكاتب رشاه بعينه وأعطانا مفتاحا.
طرحني الحاجب على السرير وأحاط بي التف حولي كالسوار، صنع من نفسه الجبهة والوجنة، كان الجبهة والوجنة والصدغ. أحاط بي، غمرني. وزرع في أحشائي دنيا صغيرة مقلوبة. حركت نفسي ، قلقلت البؤبؤ فركت الحدقة. لا فائدة،كانت الدنيا الصغيرة المقلوبة، صغيرة مقلوبة دائما.قال لي الحاجب: “أنت حبلى، لا تتحركي” وخرج، أغلقت الباب بالمفتاح وانفتحت فأطلت الدنيا الصغيرة المقلوبة،انغلقت فعادت كانت بيني وبين العالم، دخلت في، سكنتني، حاولت أن أتقيأ، تقيأت البؤبؤ والحدقة وحين استرجعتهما هلعة استرجعت معهما، فيهما الدنيا الصغيرة المقلوبة. سيكون الطفل مشوها..الولادة عذاب والإجهاض قتل وبينهما الدمع.كانت الدنيا مطلية بالدمع، مالحة صامتة ذليلة كالدمع..
كانت الدنيا دمعا… سمعت صوت المفتاح بالباب، دخل الحاجب وابتسم، انحنى علي وقبلني،جر علي الهدب وهمس: نامي الآن يا طفلتي الحبلى، وأطفأ الضوء ولم أنم، حين سمعت شخيره خرجت، انجحظت فكنت الحاجب والعين، أخذت شفرة حلاقة، واقتربت من الناي الذي كان يشخر وحلقته، جمعته شعرات رقيقات قصارا وأحرقتها فأضاءت النار الغرفة ولم أنم،كنت أصرخ من ألم المخاض، وحين ولدت كان الطفل مشوها، وضعته في المهد وانحنيت عليه، كان مسخا مخنفسا كشيطان جنين. ضممته وحاولت أن أبكي، فلم أجد دمعا. قبل الفجر كان الطفل قد كبر، وقف كالعملاق أمام المرآة، وسرح شعره، واستعرض عضلاته وحين رأى الرماد بجنب السرير اندهش قلت له: هذا أبوك- من قتله؟ أنا- مع من ياجوكاستا؟
جرد سيفه ولكنه تردد. لم يستطيع قتلي،كان فقط يردد في بأس وحيرة: مع من؟ مع من؟ مع من؟ قلت له: اسكت انك تصدع رأسي.
-ولكن مع من؟- أنت لست ابنه، أنت ابني أنا وحدي- مع من؟ أدرت له ظهري،قال لنفسه: كن مسيحا فكان…كن أوريست فكان كن هاملت فكان.. ياعاهرة، كن “عطيل”، فكان مع من؟ وكنت أقهقه، وكان دهشا غاضبا ساخطا، وطعنني وطعنني،كان يطعن ويحرك السيف في البؤبؤ وأنا أقهقه وأقهقه والعالم يقطر من جروحي عاريا أحمر شفافاً كضوء الشروق.
5 – سار طويلا في الشوارع الباردة المقفرة،وحين هده التعب ، وقف واستند إلى امرأة عارية في إعلان على الحائط وهو يلهث،جس بيده صلابة الجدران فلم يتحرك الجدار، ولكن يده سقطت منه، سقطت على الأرض وتهشمت كالفخار، وارتعب، تسمر في مكانه.
قال لنفسه: لو تحركت خطوة واحدة فسأتهشم كإبريق. بقي واقفا وحطام يده يلطم عينيه، وقال لنفسه: هناك حالتان فقط: أما أن يكون العالم قد جن، وإما أن أكون أنا قد جننت. وأحس أن هناك حالة ثالثة خطرت بباله من قبل، ولكنه نسيها..كانت هناك،في داخل دماغه لا يمكن أن تكون في الخارج فهي ليست ريحا ولا حجرا ولا ورقة ولا ضوءا ولا صوتا. أنها حالة، حاول أن يتذكر، عصر ذهنه، ولكن لا جدوى.. نحن لا ننسى الأشياء، الأشياء نفسها هي التي تنتسي النسيان ليس بإرادتنا ولكنه بإرادة الشيء المنسي، وكان كل شيء يتفتت في ذهنه، فجأة سمع خطوات، ورأى رجلا وامرأة يقتربان منه، كانا يتهامسان، ونظرت المرأة إليه في إشفاق فاخرج الرجل من جيبه ريالا أبيض مستديرا لا معا ومده إليه، خشي أن يتحرك أو يتكلم أو حتى أن يبتسم، خشي أن يتفتت، ولما يئس الرجل رمى الريال تحت قدميه وتأبط ذراع صاحبته وتابعا السير، بعد قليل مر رجل آخر وحين رأى الريال أخرج من جيبه ريالا آخر ورماه، ومر رجال ونساء وتساقطت الريالات تحت قدميه،ثم انقطع المارة، وبقي وحيدا مع حطام يده والريالات المطروحة، تحرك وتفتت، هذا ارحم.
وسمع غناء، ورأى على الرصيف المقابل سكيرا يترنح وهو يغني:
“ها العار أخويا ما تنسانيش.. ها العار أبويا ما تخلينيش، ها العار أمامي ماتاكلنيش”.
وقف السكير وأدار وجهه إلى الجدار، وأخذ يبول وهو يغني، وحين استدار، رآه، فقطع الشارع نحوه، وتأمله بعينين ذاهلتين، وتأمل الريالات،ثم انحنى عليها وهو يقول:” اسمح لي آلخوا” ود لو يقول له:” تفضل”..”عن طيب خاطر”.. ولكنه لم يستطيع بقي صامتا، وحين رأى السكير يتهشم وتختلط أطرافه الفخارية بالريالات،ابتسم دون وعي فتساقط.
1972
محمد برادة، لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذكرى القصة المغربية تحليل نماذج قصصية، الشركة المغربية للناشرين المتحدين،ط 1، 1986، ص-ص128-131.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.