الرئيسية | فكر ونقد | نقاش حول الحرية الفردية | محمد سعيد

نقاش حول الحرية الفردية | محمد سعيد

 نقاش الحرية الفردية نقاش مستحدث بالمغرب،و هو نقاش يولد الصراع بين الحداثيين و المحافظين،فدعاة الحداثة يرون أن التشريع لا يجب أن يخرج عن المرجعية الحقوقية كما هي متعارف عليها دوليا،و بين المحافظين الذين يرون أن التشريع في بلد إسلامي يجب أن يعتمد على المرجعية الإسلامية حسب مضمون خطابات و وثائق الحزب الإسلامي العدالة و التنمية،دون غيرها،مع هامش صغير هو ما يصطلح عليه بالإجتهاد،لكن في حدود دائرة المسموح به. فالحداثيون ظلوا ينادون بإعمال دستور يستمد شرعيته من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان،بل إن بعض التنظيمات اليسارية لم تتردد في القول صراحة في مذكرتها الدستورية بضرورة فصل الدين عن الدولة،و قد ظل حزب النهج الديمقراطي مثلاً يقول كيف أنه مع هوية عربية أمازيغية كعنوان ثقافي و حضاري،و يضيف “أن الدولة المغربية يجب أن تكون دولة ديمقراطية علمانية تقوم على أساس الإرادة الشعبية،و تضمن حرية العقيدة،و تحضر إستعمال الدين لأغراض سياسية..”،فيما إعتبر المحافظون وقتها أن ذلك مجرد محاولة لجر البلاد إلى شاطيء غير أمن،و إلهاء الرأي العام كما قال الكاتب العام لحزب التقدم و الإشتراكيةنبيل بن عبد الله في أحد الندوات المشتركة،فالمحافضون يقولون أن الهوية الإسلامية ليست محط خلاف بين جميع المغاربة. و أعتبر شخصيا أننا في حاجة إلى نظرية جديدة في مسألة التعدد الثقافي و العقدي و إشكالية الهوية التي أسماها المفكر المغربي عبد الله العروي “المنافسة الإيجابية في مسألة الإختلاف”،و نرى كفاعلين في المجال الحقوقي أن حرية المعتقد مثلاً،لا يجب أن تخضع فيها الحقوق الفردية في مجال الزواج و الحضانة و تبني الأطفال و كذا الإرث لمعايير دينية (الظهير – رقم 1.04.22 الصادر في 21 ذي الحجة 1424 الموافق ل 3 فبراير 2004 بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة (المادة 39)،فالحرية تقتضيي ألا نفعل ما يسيء إلى الأخر فيما يتعلق بمضمون الحرية الفردية و خصوصيتها،،سواء بالفعل أو القول،إذ لا توجد حدود لممارسة الإنسان لحقوقه الطبيعية ما عدا تلك التي تضمن للأعضاء الأخرين التمتع بنفس الحقوق،و لا يمكن حصر هذه الحقوق إلا بالقانون،إلا أن الصياغة الجيدة للقانون ليست كافية لرسم حدود الحرية الفردية،لقد تم وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المواطن باعتباره ذلك الكائن الواعي الممتلك لحس أخلاقي،لكن لا يمكن الإستناد إلى حقوق الإنسان و وضع الأخلاق بين قوسين،فعندما يتعلق الأمر بالمؤسسة الحزبية على سبيل المثال،يجب أن نتفاهم حول مباديء لا مناص منها و لا يمكن قبول خرقها،بل ينبغي أن تشكل قواعد للحياة داخل المجتمع،إذ لا يسمح للمرء بأن يقوم بكل شيء كما لو كان الأمر يتعلق بالتصرف في ملكية خاصة به،و بموجب مبدأ الحرية هذا،تفرض واجبات على الجميع و على كل واحد،كما تفرض كل من النزاهة و الصرامة الأخلاقية و الفكرية و السلوكية نفسها،إضافة إلى ذلك،فمن الضروري إمتلاك حس و ضمير نضاليين يتجسدان في عمل جيد و شفاف و مسؤول..كما يلزم ضمان حرية التفكير،و الإنتباه إلى الأخر و الإنصات إليه،و خصوصا خلال المناقشة و الحوار،أيضاً يتطلب الأمر توسيع فرص المناقشة و التساؤل و النقد البناء في مجالات العمل الجماعي و التعاوني،و ذلك لكون المشاركة و تبادل الرأي وسيلة للإنجاز و بلوغ المرامي و الأهداف،الأمر الذي سيرسخ – بدون شك – القيم الديمقراطية في حياة الفرد و سلوكه بوصفه مواطناً فاعلاً،و وفق ذلك ينبغي الإتفاق على قواعد الحياة و احترامها،كما يقتضي الأمر قبول الأخر و احترامه و التضامن معه لا الإمتثال له و طاعته أو إخضاعه و السعي إلى إهانته و إدلاله،و هذا الشيء ينطبق على المعتقدات الفردية كذلك،ففي اللقاء الذي نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد،لم يرق لحامي الدين عضو المجلس الوطني لحزب العدالة و التنمية ما قاله إدريس اليازمي في المائدة المستديرة التي دعت لها هذه الأخيرة،بكون “عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة و محمد الخلفي وزير الإتصال كانا وراء حذف حرية المعتقد من الوثيقة الأولى للصياغة الدستور..”،إذ رد عبد العالي حامي الدين بالقول :”نحن كنا ضد الصيغة التي جاء بها النص على حرية الإعتقاد في النسخة الأولى من مشروع الدستور..”،و نحن هنا نسأل – ما هي الصيغة التي إقترح حزبكم إذا لم يكن ضد حرية المعتقد ؟ و أين هي الصيغة غير المدسترة و التي تم حدفها ؟ هذان السؤالان،إذا تمت الإجابة عنهما،فسنتأكد بأن الككفونيا الجديدة،و الألية السياسية للنظام تتمتع بالنزاهة و المسؤولية تجاه المطالب الحقوقية بالمغرب اليوم،فلا يمكننا اليوم تحجيم مفهوم الحرية الفردية بمبرر “الحمايات الفكرية” التي ترفعها بعض الأطراف المحافظة،فالخصوصية الثقافية و الدينية هاجس عند الدول المدعوة بالإسلامية فقط،و هو هاجس يسقط أمام المطالب الحقوقية المدنية اليوم من طرف الجمعيات و الهيئات الحقوقية،لكن رغم ذلك يبقى رفض الإعتقاد الإسلامي،يزعزع مُقومات الإجتماع السياسي و الإجتماعي عكس المجتمعات الغربية،و هذا ما جعل حزب العدالة و التنمية بالمغرب يتدخل لحذف حرية المعتقد من المسودة الأولية للدستور و أدخلها في أطروحته،فقال حينئذ “نخاف أن تستغل هذه الحرية للمس بالإسلام و الإغرار بالأمن الروحي للمغاربة”،فالخطير هنا في حذف حرية المعتقد هو الإزدواجية،فعندما يخاطبون الغرب يواجهونه بمبادئه عكس ما بالداخل. فالبرلمان عندنا لم يناقش الحرية الفردية،أو المسألة الحقوقية،بمعنى أنه لازال محتشما في هذا الشأن حسب ما قاله بنشماس :”البرلمان المغربي يخطو محتشما داخل منظومة حقوق الإنسان” (1)في اللقاء الذي عقده مجلس المستشارين حول “التقرير الوطني برسم الجولة الثالثة من ألية الإستعراض الدوري الشامل” موردا “ضرورة تعميم إعمال مباديء بلغراد حول العلاقة ما بين المؤسسات الوطنية المختصة في حقوق الإنسان و البرلمان،بأنها التوصية التي إندمج فيها المغرب منذ مدة”،و تطرق محمد الصبار،الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في نفس اللقاء للغاية من ألية الإستعراض الدوري الشامل على مستوى الأمم المتحدة،مبرزا أنه من خلالها يتم الوقوف على مدى ممارسة حقوق الإنسان بالدول كل أربع سنوات و نصف،و أوضح أيضاً في هذه الكلمة، :”أن المغرب سبق أن تعرض لفحص لمرتين من خلال هذه الألية،أخرهما كان سنة (2012) و الثالثة ستكون خلال الأشهر القادمة

“. المراجع : 1 – هيسبريس (الثلاتاء 17 يناير 2017

محمد سعيد : عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات و الأبحاث الإنسانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.