الرئيسية | سرديات | موت على الهواء | صابر رشدي

موت على الهواء | صابر رشدي

صابر رشدي  (مصر):

 

(1)

كثيرًا ما كنت أراه على شاشة التلفاز، لا يمر يوم دون أن تطل صورته على الملايين من داخل هذا الجهاز السحري، الذي لا يعرف فضيلة الصمت؛ حتى ساد لدىَّ اعتقاد بأنه يقطن داخله، كنت ألمحه فى المباريات، يكون هناك دائمًا فى الثلث الأخير من المدرجات تجاه مرمى خصوم فريقه المفضل، حيث يحاصر لاعبوه هذه المنطقة ويقومون بشن الهجمات المتوالية على مدار الشوطين؛ محرزين الأهداف الثمينة، عادة لا يكون وحده، فهناك أشياء لا تفارقه : ميكروفون، وبوستر كبير الحجم مطبوع عليه صورته وهو يضع قبضة يده تحت ذقنه مثل أي شخصية ملهمة تقدر قيمة التفكير العميق، وتؤرقها مسألة تسرب الزمن، المفارقة هنا تأتى من أنه يظل يجرى بهذا البورتريه الرصين في المدرجات، موازيًا لهجمات الفريق الكبير الذي تتابعه الكاميرا، مدركًا بأنه سيكون هو الخلفية المؤكدة لهذه المشاهد المتلاحقة، إنه يلهث ويبذل جهدًا مضاعفًا عما يبذله اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، وذلك من خلال ميكروفونه الذي يعمل بالبطارية الجافة، حيث يقوم بالغناء والتشجيع المتواصل الذي لا يعرف الملل؛ مختتمًا المباراة بالنزول إلى أرض الملعب لتهنئة اللاعبين وجهاز التدريب وأعضاء مجلس الإدارة أمام عدسات مصوري الصحف وفضائيات الكرة، ثم يتحدث بأنفاس متلاحقة ونبرات متقطعة عن أهمية هذه المباراة تحديدًا، وعن قيمة النقاط الثلاث التي تم اقتناصها في هذه الظروف العصيبة والأجواء المعاكسة، كلمتان محفوظتان لا يحيد عنهما بالإضافة إلى أغنية كتبها ولحنها تكريمًا لناديه، ولا بد في نهاية المطاف من تأديتها بنفسه.

كان يبدو متحمسًا في هذه المباريات خصوصًا مع ترديد الجمهور كلماته، المنتقاة بعناية في جو احتفالي مشبع بفرحة النصر الكروي العظيم، الذي يعوض كافة هزائمنا، كان يهتف ويغنى حتى يعود إلى بيته مجهدًا، سعيدًا، بيدٍ تحمل الميكروفون وأخرى تحمل صورته.

 (2)

نسمات حانية، وحالة من الروحانية الخالصة تتسرب إلى أروقة المسجد، تبدد أي أثر للوحشة والخمول، وصوت المقرئ يتردد في خشوع وتجلٍ وهو يجوِّد آيات الذكر  الحكيم، في هذا الصباح الرائق الذي يحاول الكثيرون فيه اللحاق بركعتي الصبح الأكثر قربًا إلى النفس والروح، فهي تجرى في أشد اللحظات هدوءً وسكينة. ركعتان خير من الدنيا وما فيها وحدث يستحق المعايشة عن قرب، والتواجد بين الجموع للارتواء من هذا النبع المقدس، الذي يجعل بقية اليوم تمر في بساطة وسلام، وهاهو يجلس في الصفوف الأولى؛ المسبحة بين أصابعه النحيلة يكر حباتها صامتًا، بينما تطل من عينيه بين الحين والآخر نظرات حكيمة، مضيئة ومطمئنة تجاه الكاميرا؛ يبدو من خلالها أنه غير مهتم بالصورة أو البثِّ المباشر رغم ابتعاد المسجد الذي تنقل منه الصلاة عن مدينته، فربما قضى الليل مسافرًا حتى يلحق بها في موعد إذاعتها.

إنه يجلس قريبًا من المقرئ والمنشد والمؤذن ومذيع الفقرات على نحو لا تستطيع معه الكاميرا تجاهله، يجلس متأملا الكلمات وهو يقوس ظهره ويهز رأسه من أعلى إلى أسفل بشكل تلقائي رتيب مع مسحة من التفهم تعلو ملامحه الوديعة وتظلل هيئته، فى هذه الحالة يبدو الأكثر امتثالا لفيض النور وانبثاقه على نحو يستحق المتابعة.

(3)

قد يكون خبرًا صغيرًا يمر مسرعًا على الشريط الموجود أسفل الشاشة أو بأحد الجرائد الصباحية، يجيء على هذا النحو: وفاة فلان الفلاني إثر أزمة قلبية مفاجئة أو صراع مع المرض أو نتيجة حادثة أليمة وستشيع الجنازة غدًا بمشيئة الله بعد صلاة الظهر من مسجد كذا …

ربما يكون المتوفَّى وزيرًا أو فنانًا شهيرًا أو أحد الشخصيات المهمة، ومن هنا تأتى أهمية الخبر فرصة سانحة وحدثًا مواتيًا يستحق الاحتشاد والحضور المتألق، سيكون هناك رجالات الدولة ونجوم المجتمع إلى جانب نخبة كاملة من المنافقين وبقية أخرى لا بأس بها من المتطفلين، ستكون الكاميرات في كل مكان، مثبتة في أماكن معينة، وأخرى محمولة على الأكتاف، تدور بين البشر لالتقاط الصور والأحاديث، ولن يبخل عليه أصدقاؤه من المصورين ببعض الوقت لاستعراض مشاعره الأليمة على المصاب الجلل وفداحة الرحيل المفاجئ، سيكون عندئذ مهندمًا وأنيقًا وهو يتجول في وقار تام يليق بالمناسبة، متفقدًا إجراءات الجنازة من قَبيل المسئولية، في هذه المناسبات يبدو في أشد حالات الأسى الممزوج برباطة جأش ملفتة، كأنه أحد المقربين إلى هذا الراقد داخل الصندوق الخشبي، غيرَ معنىٍّ بهذه الاحتفالية أو بكرنفال الحزن الكبير بالغ الفخامة والتعقيد، ولا يدور في ذهنه سوى تلك الحفرة المخيفة التي سيأوي إليها في نهاية المطاف وحيدًا ومنعزلا.

بنظارته السوداء وملامحه المكروبة يتطلع صاحبنا إلى الفراغ بنظرة سامية وقلب مكلوم؛ كأنه يستحضر بعض الذكريات الحميمة مع الفقيد؛ متألمًا على هذا الفراق المباغت الذي لم يمهله الوقت الكافي كي يمر عليه ليلة أمسِ لقضاء السهرة معه كعادتهما.

الشيء المؤكد، أن هذه الجنازات تمثل له متعة فائقة تتصاعد نشوتها مع طول فترة البث وإطالتها، إنه يتجول بحرية في كل مكان، متحركًا فى تؤدة وخطوات جنائزية محبوكة ومتزنة؛ فهو يعرف أماكن الكاميرات والزوايا التي يستطيع اللجوء إليها كي يخرج في أفضل صورة، ولا يكون هذا النهار سوى إحماء صغير لسهرة المساء؛ حيث يكون تقبل العزاء في السرادق الكبير المقام مساء نفس اليوم، مصحوبًا أيضًا بالإضاءة وأجهزة التصوير، التي لا يستطيع الغياب عنها بسهولة، وسيظل يطاردها فى كل مكان بإصرار لحوح كفراشة عنيدة؛ لا تعرف الخمود أو التوقف.

(4)

كانت هذه الهواية الغريبة تتنامى أمام عيني دون أن أعطيها اهتمامًا كافيًا فقد شاءت الظروف أن أعرفه منذ سنوات الطفولة لسبب بسيط وهو أننا أبناء منطقة سكنية واحدة.

رأيت تعلقه المبكر بالشهرة الذي وصل إلى حد الهوس، ففي مراحل الصبا كان يلعب معنا كرة القدم في الأزِّقة والحواري كأي صبى في مراحله الأولى، لم يكن هناك غير هذه اللعبة فهي الرفاهية الوحيدة المتاحة لنا في ذلك الحين.

كان يأمل في أن يصبح نجمًا كبيرًا يتصايح عشاق الكرة باسمه فى كل مكان، كان يجرى بالكرة معلقًا على أدائه الشخصي بصوت حماسي مرتفع: الكرة مع مارادونا، مرّ من الأول.. مرّ من الثاني.. و الثالث.. الله.. الله.. الله.. لقد مررها من بين قدمي اللاعب الرابع.. ومازالت الكرة معه يمر بها بأقصى سرعة وكأنها ملضومة فى قدميه، وها هي تستقر أخيرًا في سقف المرمى.. جوووووول.. جوووووول.. جول جميل.. الله عليك يا ولد.. الله. منهيًا هذا التعليق بالقفز في الهواء عاليًا، مشيرًا بقبضة يده إلى صدره بطريقة معينة تخصه وحده عند إحراز الأهداف.

في حقيقة الأمر، كان يجرى منفردًا، لم يكن هناك خصوم أمامه أو زملاء حوله، يجرى بالكرة مرواغًا لاعبين غير مرئيين يسكنون خياله الرحيب، ثم يصوب الكرة نحو المرمى الخالي محرزًا هدفًا نظيفًا لا تشوبه شائبة ولا يستطيع أحد التشكيك في صحته، ولم يكن أي منا يضمه إلى فريقه لعدم إجادته اللعب ونسيانه أبجديات الكرة في وجود لاعبين حقيقيين؛ فقد كان يقوم بالانقضاض على زملائه دون قصد لاستخلاص الكرة منهم، وأحيانًا يجوب أرض الملعب من أوله إلى آخره بفوران لا يعرف الهدوء، مصوِّبًا نحو مرماه بدقة غريبة، باختصار كان يقوم بإفساد خطة الفريقين تحت وطأة حماسته.

في هذه الفترة تقدم إلى اختبارات الناشئين التي تقيمها الأندية المختلفة لاكتشاف الموهوبين، وفشل فيها فشلا ذريعًا ولم يعكر عليه هذا الفشل صفو محبته للعبة أو يحوله إلى ناقم على نجومها؛ بل ازداد تعلقًا بها على نحوِ أوسع.. المحطة الثانية جاءت بعد ذلك بسنوات، كانت جنوحًا مفاجئًا إلى ضفة بعيدة؛ لم يكن أي من أصدقائه يتوقع وصوله إليها بتلك السهولة، انتقل إلى الغناء الشعبي في أثناء الطوفان الهادر لهذا اللون وسطوع راية مطربيه، كانت أيام المد والذروة والعصر الذهبي، تصدرت أخبار نجومه معظم الصفحات الفنية وصاروا قواسم مشتركة في السينما والمسرح وحفلات الأثرياء في قاعات الفنادق الكبرى، وكانت أجورهم هي الأعلى.

أمّا هو فلم يكن المال يعنيه، كان مهمومًا بالفن والشهرة وعُلو الصيت، تغذيه طموحات لا تُحد، كان يفكر في القيمة، وتقديم طرب جميل، كان يدخر المال يومًا بعد يوم كي يستطيع الحصول على ملحن يقوم بتحويل الأشعار التي يكتبها لنفسه إلى واقع غنائي أصيل، وجد الملحن والفرقة الموسيقية وإستديو التسجيلات، وتم إنجاز كل شيء، وصار لديه في النهاية ألبوم كامل؛ وإن جاءت تكلفته مرهقة وثقيلة؛ فإلى جانب مدخراته، كان هناك ميراث صغير ومصاغ زوجته وقرض من أحد البنوك بضمان وظيفته، فى النهاية وجد لديه عشرة آلاف نسخة كدفعة أولى، قام بتوزيعها على المنافذ بنظام الأمانات، النسخة المباعة يحصل على ثمنها بعد خصم مكسب البائع.

ذهب إلى جميع المدن ببضاعته معطيًا نفسه مهلة ثلاثة شهور لنفاد هذه الكمية، لكن بعد مرور هذه المهلة عادت إليه النسخ كلها عدا سبع عشرة؛ فقام بعدها بعمل دعاية مكثفة وواضحة المعالم على طريقته كحل أخير لإنقاذ موهبته.

ذهب إلى الأسواق الأسبوعية الشهيرة كي يبيعها بنفسه بعد أن أحضر طاولة وجهاز كاسيت ضخم، وأحضر صورة كبيرة لغلاف الألبوم ممهورة باسمه، كان يقوم بالغناء متزامنًا ومندغماً مع صوته المنبعث من السماعات الكبيرة، مستحضرًا أداء مطرب شعبي شهير، نافيًا في الوقت ذاته انتحال أسلوبه ومصرحًا في قسوة أنه لا يقلد أحدًا، وليس سوى صدىً لنفسه.

بعد خمسة شهور من الظهور في أسواق المدن والقرى، نفدت مائتان وثمانون نسخة، وزع أكثر من نصفها هدايا على المعجبين الماكرين الذين كانوا يخدعونه قائلين: إنه أول الموهوبين وآخر سلالة العباقرة وأنهم استعادوا معه زمن الفن الأصيل.

رغم هذا العدد الضئيل، كان قنوعًا غير نافد الصبر، لم تتسلل إليه بوادر اليأس أو التبرم، ظل واثقًا وغير مبالٍ، وقام أخيرًا بتوزيع النسخ المتبقية مجانًا متحملا خسارته المالية من أجل الانتشار، واستطاع أن يرد على منتقديه بحجج قوية ودامغة ملقيًا بأوزار خسارته الفادحة على مزوري الألبومات وسوء الدعاية وعدم التقدير، وعلى تلك الحروب والمكائد التي دُبرت له من المطربين، وعدم مساندة أحد له وتعرضه لمؤامرة صمت، ثم التخطيط لها بمكر شديد، كان يردد هذه الكلمات الممرورة والتي في حقيقة الأمر لم تكن من وحى تفكيره؛ بل هي عبارات منتقاة لكاتب صحفي تعرَّف إليه مصادفة، وهاله أمر خسارته فقرر أن يواسيه ببضع كلمات تعاطفًا مع حالته.

كان يتحدث وهو يُطلع كل من ينصت إليه على نسخة ضوئية من هذا المقال، الذى جاء بمثابة إنقاذ معنوي له، وعزاء لتضحيته.

   .. مدفوعًا بما سبق فكر في الرحيل إلى منطقة أخرى، إنها السينما، مفتاح الشهرة وبوابة الخلود، مياه كثيرة جرت من تحت الجسور، ولا بد أنه لفت الأنظار إليه وأن أغنياته قد وصلت بشكل ما إلى عدد كبير من الوسط الفني رغم الحصار الرهيب الذي فُرض عليه، هكذا فكر ملتمسًا العذر لهم، إنه يعتقد أنهم يخفون إعجابهم لظروف تنافسية بحتة، حيث تتحكم بعض الأمور الغامضة في مسارات الشهرة والتلميع؛ إذن لماذا لا يجربها؟

 تحرك فعلا فى هذا الاتجاه معتمدًا على هذه الافتراضات وعلى شهرة ضئيلة، حققها فى محيطه الضيق عند الأقارب والأصدقاء وأبناء المنطقة، واثقًا بأنها تكفيه للصعود.

ذهب إلى مكاتب كبار المخرجين والمنتجين وكُتّاب السينما واستطاع أن يقابل معظمهم وأن يفوز بوعود كثيرة، قام بهذه الخطوة بلا عناء رغم أن الوصول إلى هؤلاء البشر ليس سهلا، لكن مقابلة أية شخصية مهمة هي إحدى أهم مواهبه.

مر الوقت بطيئا، عدد من الأيام والشهور ولم يستدعه أحد، وطالت فترة الانتظار كثيرًا؛ فقرر النزول بطموحاته عدة درجات؛ مقررًا التعامل مع مكاتب تشغيل المجاميع، ترك اسمه وصورته ورقم هاتفه لدى كل ريجسير؛ مرددًا فى نفسه: لاعيب فى ذلك فهذه هي البداية الصحيحة، كبار النجوم بدأوا من هنا … نجحت الخطة فعلا وبدأ في الظهور في بعض الأفلام والمسلسلات، كومبارس صامت؛ لا ينطق بكلمة واحدة، يجلس أحيانًا في مقهى يدخن الشيشة ويتأمل سحب الدخان وهى تتصاعد إلى المجهول في خلفية المشهد، أو يقوم بدور أحد الحضور في قاعة محكمة ينظر تجاه القاضي دون أن يعرف أحد صلته بالقضية، هل حضر مع الجاني أم مع المجني عليه، هل هو شاهد إثبات أم شاهد نفى، أم هو عابر سبيل حضر إلى هذا المكان للتسلية ودفع الملل، فى مشاهد أخرى تراه يمضى مغيبًا في الطريق على مسافة قصيرة من البطل كأحد المشاة الذين يعبرون الحياة بلا أمل، ثم تارة أخرى يؤدى دور قروي بسيط يجلس على شط الترعة ينظر فى لوعة إلى البطلة المتفجرة بالأنوثة وهى غير مبالية، تستعرض جسدها الريان تحت جلبابها الضيق، ثم تحاول رفع جرة ماء فارغة ـ بالتأكيد ـ في ألم أيروتيكي واضح ولا تخطو بها أكثر من خطوتين حتى يظهر على الشاشة الفتى المدلل محتشدًا بكلمات حب لاهبة يلقيها علنًا أمام المارة في مجتمع محافظ ومنغلق.

مكث طويلا في هذه الأعمال الضئيلة جدًّا، دون أن يلتفت أحد إلى هذه الموهبة الخرساء، كان يبدع ويستخرج أقصى ما لديه في هذه اللقطات التي لا تستمر على الشاشة سوى بضع ثوانٍ؛ محاولا سرقة الكاميرا من كبار النجوم في هذا الوقت الضيق، لكن يبدو أن لا أحد يقدر قيمة هذه الإلماعات الخاطفة أو يلتفت إليها؛ ما أدى إلى انسحابه البطيء من عالم السينما أيضًا؛ فهي لم تحقق أيًّا من أحلامه الكبرى.

   انسحب بنفسٍ غير ممرورة محتفظًا بصداقات مع العديد من الفنانين ومكونًا ثروة مهولة من الصور التذكارية التي التقطت له معهم، إلى جانب  كليب  للمشاهد التي ظهر فيها، قام بتثبيته على ذاكرة الهاتف الخاص به، يشاهده في اليوم الواحد مائة مرة ويُطلع عليه كل من يصادفه، ابتعد أخيرًا وهو يفكر في الوصول إلى عالم آخر، جديد ومختلف في هذه المرة، عالم الكبار الحقيقيين الذي يضم بين جوانحه الرجال الأكثر شهرة والأقوى تأثيرًا، الذين تطالعنا وجوههم كل يوم في كل الصحف ونشرات الأخبار المتلفزة وتصير أقوالهم أفعالا فور خروجها من أفواههم، القادرين على كل شيء عدا إحياء الموتى، إنها السياسة، جوهرة الإثارة ومعقل أصحاب النفوذ، قفزة عالية ـ بلا شك ـ نحو السماء مباشرة.

 (5)

لم يكن الفتى وصوليًّا أو نهازًا للفرص، فهو لا يعلم شيئًا عن البراجماتية السياسية أو أساليب النفاق والمناورة والاستكانة الذليلة إلى حينٍ من الوقت من أجل غاية محددة، يجهل تمامًا دينامية هذا العالم الوحشي وقذاراته، يجهل قواعد اللعبة في داخله، يجهل دهاليزه ومساراته المعقدة، ولم يكن انضمامه للحزب من أجل خطف ثمار شعب بأكمله وتركه مريضًا، عاريًا، جائعًا، كان لطيفًا خفيفًا رشيقًا لا يعادى أحدًا، فراشة محلقة تعشق الأضواء وكاميرات التصوير وأن يشير إليه الناس وينتبهون إلى حضوره في أي مكان، ببساطة شديدة : إنه أحد عباد الله الطيبين، حسنى النوايا وسليمي الطويّة.

كان يدفع كثيرًا من أجل أناقته الشخصية وهواياته المتعددة، ويتكبد أموالا طائلة فوق طاقته معتقدًا أنه وجد في هذه الأشياء ضالته، وأن العالم ما هو إلا حظوة هذه الأشياء ونتاج بهجتها.

في هذه المرة بدأ من القاعدة كما أوصاه العالمون ببواطن الأمور في الحزب، ثم سرعان ما أصبح وجهًا مألوفًا في الطبقات العليا فى خلال فترة قصيرة؛ فقد كان يقوم بتحية الكبار بحميمية رقيقة وصادقة، وكانوا يردون التحية بطريقة آلية وهو يحاول استدراجهم لسماع بعض النكات الخفيفة في المؤتمرات المتعددة؛ دون أن يدرى أن هناك تحريات دقيقة ومكثفة قد أجريت من وراء ظهره لمعرفة تاريخه الشخصي وسيرته الذاتية، تحريات لم تكن بالطبع من أجل تصعيده وتلميعه أو إسناد بعض المهام إليه، فهذه الدوائر مغلقة على أفراد معينين تم اختيارهم بعناية بعد التأكد من ولائهم وتفانيهم في خدمة السادة وتمتعهم بخاصية نادرة لا تقل أهمية عما سبق وهى النذالة المطلقة، في نهاية البحث وبعد تجميع أكبر قدر من المعلومات الدقيقة، تأكد لديهم أنه باحث عن الشهرة ومحب للظهور على الشاشات ولا توجد لديه مطالب أخرى أو رغبة في بعض المكاسب المتوفرة، وان كانت النقطة الأخيرة قد جعلته مثارًا للريب.

 تم تركه وأتيحت له الفرصة للتحرك بسهولة داخل هذا المجتمع، كان الذين لا يعرفونه جيدًا يعتقدون أنه أحد المقربين من الدوائر العليا، وأنه يقوم ببعض المهام المسندة إليه في الخفاء ولكنه تواضعًا أو مكرًا فضل أن يبقى كل شيء رهنًا للغموض والتكتم.

واقعيًّا لم يكن سعيد الحظ كما تصور عندما التحق بالحزب، فقد كانت الأجواء مشحونة بكهرباء صاعقة، كان الحزب في أسوأ حالاته، يتمتع بكراهية مطلقة من قبل الجميع، وصلت إلى حد الازدراء والتحقير لكل قياداته، كان هناك قلق وعدم ثقة متبادلة من جميع التيارات السياسية واحتدام الغضب لا يمكن تجاهله، كان الأفق ملبدًا بغيوم سوداء وألغام كافية تتخفى وراء هذه الغيوم وهو لا يدرى، فثمة أشياء عديدة يمر بها دونما اهتمام ولا يعرف دوافعها ولا يعنيه أيضًا الغوص في أسبابها، إنه مسالم إلى حد مغيظ ولا يتصور أن هناك حراكًا حقيقيًّا تجرى وقائعه بقوة يومًا بعد يوم وأن هناك نارًا هائلة تحت الرماد لا تنتظر غير نفخة واحدة لكي تهب وتلتهم الجميع.

في هذا اليوم حاول أن يكون في قلب الحدث وتحت دائرة الضوء مباشرة، ذهب إلى المؤتمر الكبير للحزب بفرحة غامرة وأفكار جد متعاطفة، كانت مشاعره تفيض بالحب الخالص، الجميع حاضرون، وها هو يجد لنفسه مكانًا في آخر الصفوف كأحد رجالهم، جلس منتشيًا ومزهوًّا بنفسه، لم يكن يحلم بهذه المكانة المرموقة وأن يكون واحدًا من هؤلاء البشر، شعر بأنه يضع قدميه فى المكان الصحيح وأنه لم يخطئ الطريق في هذه المرة.

المكان يغص بالبشر ولا يوجد بين الحضور وجه غير معروف، حشد كبير يقوم بتصريف أمور  الوطن، ولا يوجد مسئول غائب.

مأخوذًا برغبة مفاجئة تفجرت لديه دفعة واحدة؛ بدأ في التحرك من مكانه مجتازًا الصفوف وسط ذهول طاقم الإخراج والتصوير وشعورهم بالتوتر، هؤلاء الذين يعرفونه جيدًا ولا يبخلون عليه بكاميراتهم في أي مناسبة، إنهم أكثر الناس معرفة بطبيعة ما يجرى حولهم، ويقيسون حالة الغليان من خلال تصاعد أعمال التفتيش والإجراءات الأمنية المذلة، كانوا يرقبونه في نوع من الشفقة والتوجس وهو يحاول التقدم بطوباوية مفرطة لالتقاط أهم صورة له عندما يقوم بضم الرئيس وتقبيله عرفانًا وتقديرًا واعترافًا منه بخالص محبته التي أعلنها كثيرًا على الملإ وسط سخرية مكتومة واتهامات خفية له بالخبل، كان يمضى بقوة، ربما صار حديث الساعة وظل هذا المشهد محفورًا فى الذاكرة.

 من جانبهم، الرجال الذين كانوا يستمعون إلى دعاباته، بدأ حسهم الأمني يفرض تنبؤات مشئومة، كانوا يعرفون بالضبط ما سيحدث له، بدأوا في نعيه سرًّا وبلا أسىً، ففي لحظات قليلة تم إيقاف زحفه البريء والمتواصل تجاه المنصة، بوابل من الرصاص ثقب كل جزء من جسده النحيل، الذي ارتطم في عنف بالأرض، حيث تبدلت على ملامحه في البداية ومضات الدهشة والذهول ثم حل مكانها سريعًا أثر الانصعاق والصدمة؛ فهي المرة الأولى التي تخونه الكاميرات وتنقل إلى العالم وقائع تصفيته على الهواء مباشرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.