الرئيسية | فكر ونقد | رواية المغاربة واستنطاق النص الغائب | حميد ركاطة

رواية المغاربة واستنطاق النص الغائب | حميد ركاطة

حميد ركاطة

هل يمكن اعتبار رواية “المغاربة”(1) للكاتب المغربي عبد الكريم جويطي، من بين أنجح الأعمال الروائية العربية؟ وهل يكفي اللعب على رهانات معينة كالبحث عن الاستمتاع وطرح الاسئلة القلقة لمناورة المتلقي وخلخلة يقينياته للنفاذ إلى أعماقه؟ وهل اعتماد مقاربة مختلفة، وبناء عوالم تخييلية بطريقة غير معتادة كفيل بتحقيق نوع من الإبداع و التجديد؟

كل يكتب روايته، حسب منظوره وفهمه لواقعه، وطبيعة الرسائل التي يريد ايصالها للمتلقي. لكن أن تطل من خلال كوات عديدة وعبر قصص جانبية عملت على تعضيد سارية المتن الحكائي فذلك أمر ليس بالسهل مطلقا. عند تحليلها لرواية “جيهان دوسانتري” للكاتب الفرنسي أنطوان دولاسال، أكدت جوليا كريستيفا أنها الرواية الوحيدة من بين كتابات دولاسال التي يعتبرها نسخا وتجميعا لحكايات بناءة: ( الغرفة 1848-1851) أو رسائل ” علمية ” و مراسلات سفر ( الرسائل الموجهة إلى جاك دو لوكسمبورغ حول المباريات 1459 رسائل مواساة لمدام دفرين 1457) وهي حكايات تنبني كخطاب تاريخي أو كفسيفساء لا متجانسة من النصوص. إن مؤرخي الأدب الفرنسي لا ينتبهون إلا قليلا لهذا المؤلف الذي قد يكون كتابا نثريا قابلا لأن يحمل اسم رواية، إذا نحن اعتبرنا رواية كل ما ينتمي إلى الايديولوجيم الملتبس للدليل.(2)

إنها رواية بقدر ما دعت لإعادة النظر في تاريخ المغرب، كشفت عن تاريخ منسي بين طيات تاريخ رسمي كتب بالحديد والنار. فهل يعقل أن يكون ذلك التاريخ الدموي هو تاريخ المغرب؟ وحتى وان أقررنا بالأمر، فهل من المنطقي أن يكون مجرد تاريخ أسر حاكمة سجلت بطولاتها، وملاحمها، وانتصاراتها الكاسحة فقط من أجل الحكم، والتسلط بكل الوسائل؟

هل تاريخ المغرب، هو فقط تاريخ صراع للحفاظ على ثوابت معينة، لبناء دول جديدة وإبادة كل أثر لما سبقها؟

هل بالفعل كتب تاريخ المغاربة؟ ثم لماذا كتب عبد الكريم جويطي هذا النص بمثل هذه القسوة على الهوية المغربية؟ ولماذا تم اللجوء إلى تسفيه العديد من الأشياء التي كنا نعتقدها من التوابت، ولماذا حاول بالفعل أن يعطينا صورة صادمة عن البلد؟ وهل يمكننا اعتبار أن المقدس هو الشيء الوحيد الذي حافظ على خصوصيته في هذا البلد؟

من أول لوحة في الرواية الى أخر فصل تظل الصراعات محتدمة بين الاشخاص، والعقليات، والآراء، والكيانات.. لتنجلي صورة الوطن نازفة في شخص بسطاء أثثوا مجريات الأحداث فقط.  أشخاص غير عاديين، لأنهم كانوا من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الأعرج والأعمى، في علاقتها بعميان آخرين، وبأشخاص مبصرين. لكنهم لا يملكون من البصيرة شيئا.

لقد حاول الروائي الاستاذ عبد الكريم جويطي أن يجعل الخط السردي للرواية مسترسلا، وأن يملأ فراغ الخطاب المتوازي الذي يتناوب عليه شخصان، بحيث بموت الجد سيظهر صوت العسكري جليا في فصل ” عسكرة العمى أو عمى الحياة”  هذا الغياب الاليم والحضور الاشد إيلاما  يأتي في ظل تناسل فواجع لم يكن الفراغ الذي شكله الجد سهلا بالنسبة للطفل الصغير، وهو قاب قوسين من الاصابة بالعمى. كما لم يكن سهلا إحداث ثغرة على مستوى السرد والعلاقات داخل النسيج الروائي دون البحث عن بدائل حقيقية على السارية الرئيسية للسرد، وذلك بالانتقال من الحدث عن الجد إلى الحديث عن نكبة العسكري، ضمن عمى حياة بغيضة ظاهرها الصراع من أجل التكيف مع الحياة الجديدة وأوضاعها، وباطنها البحث عن بدائل للخروج من أزمة نفسية كادت تجهز على حياته منتحرا في أحد المستشفيات. فإدمان العسكري على القراءة هي محاولة للتعويض النفسي أساسا لمحاربة الضياع، والعزلة، والتردي والخوف والموت. ولعل التوسل بالكتابة الشذرية كان أمرا مبتكرا للكشف عن منظور جديد لبناء عوالم الرواية الجديدة بالمغرب” ف” الشذرة لا تقول كل شيء بل هي تفضل أن توحي وترمز تاركة فراغات وفجوات حافزة على التخييل فهي تكره الثرثرة والتفصيل وتكتفي بالتلميح والاثارة وتترك مساحات فارغة لرغبة القارئ واستيهاماته وتأويله “(3 )

إنها رواية تنزف بجراح الماضي ” التليد”، والحاضر الغامض. حتى لنكاد نتساءل من فرط دهشتنا عن جرأة الشخوص الذين تناوبوا على سرد وقائعها الغريبة، وانتماءاتهم الطبقية والجغرافية. يقول الراوي ” كتب الأدب مليئة بالآلام والدموع، غير أن  كل ذلك لا يرقى للحظة ألم  حقيقي واحد، عظمة الأدب  تكمن في لا جدواه التامة، إنه زهرة برية نبتت على قارعة طريق تعبرها فيلة غاضبة”(4) بين عودة منكسرة للدافقي العسكري من واجهة الحرب بالصحراء الغربية واصطدامه بعالم غريب يعود إليه مليئا بالزيف والتدليس، سيعمل على دحض مغالطات الآلة الاعلامية الرسمية، وتلفزتها التي تمارس التعتيم على كل ما يجري في الجبهة من فظاعات، عبر إقامة سهرات بالمدن، ليلا واستقبال توابيت نهارا، تعود للوطن محملة بأشلاء الجنود في صمت، وتستر، وتكتم مطبق. وطن حياة بالتقسيط، لشرائح عريضة انتزعت منها أراضيها بدعوى المنفعة العامة وفوتت للدولة بثمن رمزي، وهو ما يعيد للأذهان الربط الذكي للكاتب بين استبداد القواد والباشوات زمن السيبة واستبداد مخزن المغرب المستقل .. وممارسته لتجاوزات ضاقت بها الارض ذرعا. ..  يقول د. حميد لحميداني”إن الواقعية المطلوبة في الفن الروائي، ليست تلك التي تشعرنا بالأمان فعندما تطل علينا اللحظة السعيدة من خلال عدد من الروايات المغربية ( ..) نشعر بان الزمن قد تحجر في نقطة مطلقة، عندئد ينتفي الإحساس بالواقع لأن خصائص الواقع الإنساني أنه دائم التغيير” (5 )

بين الإبادة التي مورست في حق القبائل، والإبادة التي مورست إبان سنوات الجمر، في عهد المغرب المستقل .. يبرز أن القطع مع الطغاة لم ينته مطلقا، فالباشوات الذين راكموا ثروات طائلة وفشلوا في الحصول على موطئ قدم داخل حكومة المغرب المستقل، سينقلون ثرواتهم خارج البلد ويستثمرونها .. وينمونها بعيدا عن الأعين.  وهو ما مثله شخص الباشا وعائلته كما أن عودته للبلاد كانت من أجل إحياء ماض ولى، لكن دون القدرة على ترجمته واقعا ملموسا. لقد استهتروا بالأجداد ولا يزالون يستهترون بأحفادهم ” مجمع العميات الخاص بالباشا”

في حين تبرز هياكل الدولة التي تمارس التسويف والتماطل في معالجة القضايا المصيرية في شخص الخبير ( هاملت) ومرافقه( التقني المساعد هوراشيو) ومعالجتهما لمشكل الجماجم البشرية التي عثر عليها قرب قصر الباشا، والتي كان عددها مثيرا للشك حول إبادة جماعية. جماجم رصت فوق بعضها في مدفن جماعي مثير للجدل، والطريقة التي تعاطت بها الجهات الرسمية مع الموضوع، و كذا الحيز الزمني الذي استهلكه البحث، وطبيعة الأشخاص الذين أوكلت إليهم مهمة التحقيق فيه. لنكتشف ممارسة عبث مقصود، ولعب على الاذقان. لنتساءل هل باستطاعة أعمى أن يحل لغز سر معقد بوسائل بدائية وفي مكان مشبوه (مستودع تابع لرجال الدرك) خال من شروط المختبرات العلمية؟ ثم ما النتيجة المتوقعة في ظروف عمل مماثلة وبآليات بدائية؟

لقد تم التعتيم على ملف المخطوفين وضحايا العنف المادي والمعنوي في سنوات الرصاص والجمر، كما جاء على لسان الخبير في حديثه عنمحاولة الدولة لطي صفحات الماضي. ” يقول الراوي: أشاهدت تلك الجلسات البئيسة والميتافزيقية في التلفزيون المسماة جلسات استماع والتي عرضت علينا الضحية والطعنة والخنجر المضرج بالدم، لكن بلا قاتل؟”(6) أو من خلال الحديث عن أحداث مولاي بوعزة 1973:” الدولة إزدردت كل جرائمها بجرعة ماء الانصاف والمصالحة، ومررت قطنا ينز بيتادين على الجراح المتقيحة التي ينخرها الدود”(7)

 وكانت العينة المقدمة داخل الرواية أكثر بلاغة في حي سمع الناس ورأوا فيه كل شيء بل عاشته أسرة رفض المحققون، أخذ شهادة بعض أفرادها على محمل الجد، كما جاء على لسان الخبير في حواره الدرامي مع مساعده حول النهاية التراجيدية لعائلته. “أه يا أولاد القحاب، يعرفون كل شيء ويقولون هم أيضا انتحر. أه يا شعب الصمت والخذلان والخيانة، يا شعب الجبن الذي يتلذذ برؤية أجمل أزهاره وهي ترفس بلا رحمة أمامه. أستاذ في الجامعة وشاعر فوق ذلك، يا ناس، يعامل معاملة الكلاب. لم يقتلوه فقط بل يتبرزون فوق قبره أيضا وقبر زوجته”(8)

” ليبرز تواطؤ الدولة وأجهزتها بشكل سافر، بإيعاز من مسؤولين تحملوا مسؤولية ملفات كانت أكبر من امكانياتهم، ودرجة استيعابهم لأبعادها. كانوا كالحمير التي تحمل أسفارا. ولعل أبلغ الصور في هذا المجال هي ما قدمته الرواية عن وزير نافذ، لم يكن باستطاعته تكوين جملة مفيدة واحدة، لكن حوارييه كان يببرعون في تحويلها وفق اجتهاداتهم إلى أطاريح معززة بنصوص قانونية لا غبار عليها.. لكن التاريخ لا يرحم الجبناء، وهم يموتون موتة الكلاب، منبوذين في عراء من النكران، والتجاهل، وهم لا يحملون صفة مغاربة.

في المقابل تبرز صورة الجندي، وصورة الوطن المحلوم به مندسة بين رمال الصحراء في حديقة البوكمازي الصغيرة، التي شكلت حلما كبيرا لوطن أخصر وهي إشارة الى مشروع مستقبلي حمله معه رجل بسيط، عاش بين تلال أيت بوكماز بمروجها، ومراعيها، وغاباتها، ومياهها… مغرب اللا تفاوت، مغرب الجمال، لكن الأشياء الجميلة لا تعمر طويلا بحيث سيموت البوكمازي، ولن يستطيع صديقه الأعرج الحفاظ على حديقته” بعد موته بأيام، تمكن الرمل من وأد حديقة  البوكمازي وطمرها نهائيا”(9)

لقد شكل العسكري الى جانب الأعمى حجر الزاوية في التعبير عن وجهة النظر الصريحة والصادقة للمواطن المغربي في أبهى تجلياته، من خلال أسئلة حارقة ووقائع ملموسة، كشفت عن جانب من جوانب العقلية المغربية، وكيفية تعاطيها مع الواقع.

ولعل المثير في قضية الأعمى الذي تمكن صديقه( وشن) من سرقة زوجته بالنصب عليه في إشارة إلى الوجه الآخر لما يمارس من فظاعة في حق الوطن. لنتساءل أليست المرأة وطنا وملاذا، وحصنا للاحتماء من النبذ والقهر؟

أليس الحب الصادق، هو العملة الوحيدة المفتقدة بين الاشخاص؟

ما كان ملموسا عبر فصول الرواية، هو الإفتقاد إلى الحب، والصدق، والانصات للآخر  والتواصل الهادف.. بحيث عرت كل شخصية من شخوص الرواية، عن حبها وارتباطها العميق بالأرض، والأشجار والماء.

لقد كشفت رواية المغاربة عن فهم عميق لقضايا المغرب الحساسة، ولإشكالاته الجوهرية منذ تأسيس أول دولة مغربية، ووضعت عقلية الإنسان المغربي على محك العديد من التجارب. لتضحى …” رواية تتصادى مع تجارب أخرى عالمية وكونية، تتناطح بالمفاهيم الكبرى، وشكلت رؤية إلى العالم من زوايا جديدة” (وابصار بالعتمة) لسرد وقائع العمى الحقيقي للروح عبر الكشف عن عمى مزدوج، عمى حقيقي، وعمى لغوي”( 10)

لتضحى رواية مغاربة بصيغة الجمع، تحقق تقاطعا بين الرواية، والتاريخ، والفلسفة. وتفتح كوات عديدة للإطلالة على العالم من زوايا متشذرة، صغيرة جدا. أو من خلال متون تاريخية مسهبة في التفاصيل الموجعة، لليوسي، والناصيري، والفشتالي، وعبد الرحمان بن زيدان، وعبد الواحد المراكشي، والبيدق….يقول الاستاذ خالد طحطح ” إن المؤرخ هنا يلعب دور المتسكع الذي يبحث في المزابل عما تبقى من الأثار والأشياء حسب ميشيل دو سيرتو، لأنه لا يعطي الأولوية للبحث في الهوامش في المواضيع المسكوت عنها، إنه يصنع مثل المتشرد  بما يجده ويجمعه من وثائق، أو ما تبقى منها يحاول إعادة عالم لم يعرف من قبل عن طريق التنقيب في الأرشيفات والوثائق المختلفة . فإذا كان المرء ضئيلا لا يرى، وجب حمله إذن على الأكتاف ليرى بشكل أفضل “(11)

  لقد منحتنا هذه التجربة، عملا أدبيا نجح في تفكيك المكونات النفسية، والعقلية للإنسان المغربي، مع ما شابها من اندفاع، وجنون، وجموح، وعصيان، وخير، وشر، ونضال، وقهر… حول مغاربة (بصيغة النكرة) فعبد الكريم جويطي” يكتشف طريقا جديدا للبحث والعمل على إحياء الذاكرة التاريخية من خلال إعادة الاعتبار للجزئي عبر التركيز على سير الفئات المهمشة والأماكن المهمشة والأفراد المهمشين “( 12)

——-

هوامش واحالات

(1) عبد الكريم جويطي  المغاربة رواية المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى 2016

(2 ) جوليا كريستيفا علم النص ص 26  ترجمة فريد الزاهي مراجعة عبد الجليل ناظم دار توبقال للنشر الطبعة الاولى 1991

( 3)  د.حسن المؤذن مغامرات الكتابة في القصة المعاصرة القصة القصيرة بالمغرب أنموذجا ص 93 منشورات اتحاد كتاب المغرب مطبعة عكاظ الجديدة الطبعة الأولى ، 2013

(4)  عبد الكريم جويطي، رواية المغاربة مرجع مذكور سابقا ص33

( 5) د. حميد لحميداني في التنظير والممارسة دراسات في الرواية المغربية  ص 30 منشورات عيون ط1 الدار البيضاء 1986

(6) رواية المغاربة ص 196 مرجع مذكور سابقا

(7) نفسه ص 195

(8) نفسه ص 195

(9) نفسه ص43

( 10) بتصرف من مداخلة الاستاذ أسامة الصغير أسئلة الخطاب النقدي بالمغرب مداخلة في حفل توقيع رواية المغاربة بمدينة خنيفرة. المنظم من طرف منتدى أطلس للثقافة بخنيفرة

(11) خالد طحطح السيرة لعبة الكتابة كتاب المجلة العربية العدد 192/ ص 136 الرياض المملكة العربية السعودية 2013

(12 ) خالد طحطح السيرة لعبة الكتابة ص 137، مرجع مذكور سابقا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.