الرئيسية | فكر ونقد | تناغم أصوات أدبية خالدة في عوالم ” معجم طنجة ” لمحمود عبد الغني | عبد الواحد كفيح

تناغم أصوات أدبية خالدة في عوالم ” معجم طنجة ” لمحمود عبد الغني | عبد الواحد كفيح

عبد الواحد كفيح

 

من يقرأ رواية “معجم طنجة” للصديق الأديب محمود عبد الغني ، الصادرة عن منشورات المتوسط ، يجد نفسه تائها في عوالم طنجة العالمية وزمنها الأسطوري الجميل، حيث تلاقح الثقافات والحضارات وملتقى السينمائيين والكتاب والشعراء والمسرحيين والفنانين بكل تلاوينهم وجنسياتهم، يتوافدون على طنجة الدولية للتمتع بسحرها الخرافي الغامض الذي يهفو إليه الكثير. ربما لما لها من موقع جغرافي متميز، وربما لما أضفاه عليها شحرور البوغاز محمد شكري من سحر خاص .رواية “معجم طنجة” صيغة جديدة في كتابة الرواية ،وتجربة متميزة تستحق التنويه لما أبداه فيها الروائي من قوة إبداعية خارقة في سابقة من نوعها أن جعل كوكبة من الأدباء العمالقة الكبار الأساطير الذين غادروا إلى مستقرهم الأبدي( شكري / بول بولز / جين بولز/ تينيسي وليامز/ا /جيرترود./جان جونيه …..) والمرابط .،أقول جعلهم أحياء يرزقون، يتمتعون بكامل نشاطهم وعنفوانهم يملأون حارات وأزقة ودروب طنجة صخبا ، و يمنحون حانات طنجة ومقاهيها وجيوبها حيوات أخر في تناغم لأصوات هؤلاء الفرسان ، فيشكلون في الرواية كما شكلوا في الواقع أوركسترا إبداعية متناغمة ، يتمازج فيها المسرح بالحكي والسرد بالموسيقى والحوارات بالسيرة الغيرية ، في توليفة سردية باذخة وسمها الأديب عبد الغني بعنوان موح وجميل ” معجم طنجة “.
سافر بنا الكاتب في رحلة ممتعة استعاد فيها ماض ثقافي مشرق في مدينة أسطورية جذابة،ظلت طافحة بالأسرار كما كانت ،منذ الأزل ، منذ أن حطّ الطير على أشرعة سفينة نوح ،محملا بالطين ورائحة الطين، مبشرا بالخلاص الأخير..كل من زارها أردته عاشقا مجنونا وبحبها مفتون، ما يفتأ ، مع مرور الزمن ،أن يصبح جزءا منها وتصبح جزءا منه فيتخذها له عشيقة ومأوى ومسكنا وأحسن مقاما .برع الروائي محمود عبد الغني في استدراج المتلقي عبر متواليات زمنية ماضية مرتهنة للأدب لا للتاريخ، بلغة متدفقة المعنى والمبنى حتى يلفي الظمآن لماء الأدب والإبداع، نفسه منغمسا في أحداث الرواية تتوالى كشريط سينمائي أبدعه مخرج متمرس، دون كلل ولا ملل، وقد شدته الحكايا الشيقة والمسامرات الدافئة والأحاديث المتشعبة والروائح، حيث روائح القهوة والنبيذ والكيف المعتق بل حتى نبرات الأصوات وكل الحماقات التي يقترفها الكبار .كل هذا يضع القارئ في أجواء سحرية مدهشة خلقها زمرة من الأصدقاء المبدعين ، اختلفت هوياتهم وجنسياتهم ولغاتهم، مغاربة كبار رفقة أصدقائهم القادمين من وراء البحار ” بحثا عن الأفكار ” وأشياء أخرى، متحدثين متواصلين بلغات متعددة تارة عربية وتارة انجليزية أو فرنسية أو اسبانية وتارة أخرى مترجمة من هذه لتلك.
حدث يذكر بحدث أو أحداث وتفاصيل، وشخصية تذكر بشخصيات، ورواية تدفعك لرواية سجّلها الراوي بعناية جنبا إلى جنب بمهارة فنان ومنسق زهور مختص في التصفيف بمنتهى الدقة والإحكام. كما شدتني في الرواية على غير العادة ، تلك الشخصيات الثانوية المتوارية للخلف ، بوداعتها وبراءتها وهدوئها ومواقفها الايجابية حُيال الشخصيات الرئيسية ، مثل المرابط والعياشي وعبد القادر وساعي البريد بوغالب، وصاحب البيت العتيق في الجبل، عبد السلام وزوجته عشوشة، والتمسماني ومحمد العربي الجيلالي. شخصيات لعبت دورا مهما جدا في تماسك علاقة الشخصيات الرئيسية وتلاحمها ،لأنه في اعتقادي الشخصي، فالأشياء الصغيرة تخلق الكبيرة.
عمل روائي عمل فيه الشاعر والروائي محمد عبد الغني – كما تراأى لي –على تفكيك أحداث واقعية من حياة هؤلاء الكبار وأعاد تركيبها وفق صياغة فنية ميسمها السرد الآسر ويحكمها خيط حكائي ناظم ، فيه من دقة الحبكة والبناء المعماري للرواية ما يجعلنا نشعر باللمسة السحرية للخيال تفعل فعلها، فتنتج المتعة الإبداعية المنشودة من خلال هذا الزواج والتمازج بين التذكر والذاكرة والتصور والتخيّل والتخييل بروعة نادرة ، وهذا ليس بغريب على أديب معلّم واع وعليم بأدوات اشتغاله، بحيث نجده يحفر – كما جاء في مقطع من الرواية – في أعماق شخصيات روايته حتى النسغ ، مستغورا بواطنها العميقة « مثلما يفعل نقار الخشب بالخشب بشجرة عالية في غابة كثيفة». بل استفز الراوي أبطال الرواية فجعلهم يهزّون ،أمام أنظارنا، بجذوع الذاكرة وعروشها لتصبح مغامراتهم وذكرياتهم – بسحرها ودهشتها وغموضها – قطوفا دانية، تساقط رُطَبا جَنِيّا، نسج لنا منها فراء روائيا دافئا استدفأت به، في هذه الليالي الباردة ،بمتعة مفرطة. نترك للقراء والنقاد استغوار عوالم هذا المنجز السردي النوعي الجميل، واكتشاف مفاصل أحداثه وشخصياته المدهشة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*