الرئيسية | منبر الموجة | ” أكياس من ورق أو حين يحترف الأنذال الأدب” | علي أزحاف

” أكياس من ورق أو حين يحترف الأنذال الأدب” | علي أزحاف

علي أزحاف

 

الأنذال، حين يحترفون الأدب، يتحولون إلى قرود وسخة في سيرك الحياة، يقلدون ظلال غيرهم، يقومون بحركات ساذجة بدائية، تثير الاشمئزاز والضحك في آن، ويلتقطون ما يرميه إليهم العابرون من حبّات فول سوداني وأصابع الموز وعلب الأطعمة الفاسدة، ثم يقذفون بعضهم البعض بالقشور والفوارغ، و يستلقون في أوساخهم ، يتمرغون في التراب ، ويفكرون في حركات أخرى يقردنون بها وجوه البشر، سعداء في أقفاص أناواتهم المريضة.

الأنذال حين تسكنهم رغبة جامحة للنباح والعض، يتحولون إلى كلاب ضالة ، تركض وتتقافز يمنة ويسر و،وأحيانا تتجمد في الوسط،تمد رقابها الطويلة،تعوي بوحشية مقززة في وجه كل ماهو جميل،وحين يتعبون من الركض المسعور،ونبش أكوام الأزبال وفضلات البشر،ينسحبون إلى أقبيتهم المظلمة، يسيرون صفا واحدا بمحاذاة الأبنية المتهالكة والشجر اليابس، يتبولون عند أقدامها أو على بعضهم ، يحاولون اقتطاع حدود رمزية بسلطة الرائحة الفاسدة.أويستجدون يدا تمتد إليهم بقطعة لحم بائتة،قد تكون سقطت خلسة من مائدة الأسياد، أو يتسولون كسرة خبز من من جبّة مشايخهم من أصحاب الكرامات وأهل الخير والبركات، قد يتنابزون بينهم بالألقاب،أو قد يتشاركون في ولغ الإطار، قد يصطفون مثل أسنان المشط، ينهشون التراب و ينفخون في قرب خاوية  .

وحين يتعبون من الدوران حول أذناب بعضهم البعض، وشمّ مؤخراتهم،يصرخون في وجه الليل،وإذا اشتدّ بهم الجوع،وذبحهم العطش ،يمزّقون بعضهم البعض بمخالب من كلام وأنياب خبيثة. وحين يستكينون إلى أحقادهم الدفينة،يتشرذمون مثل الوباء في وديان غير ذات زرع ،،كلاب جفّ منها الماء والضرع …

الأنذال،حين يتحولون إلى محترفي أدب،يشمّرون على سواعدهم،يتقمّصون شخصيات حفّاري القبور في أفلام الرعب القديمة،يحفرون عميقا في حقول غيرهم،حيث،” القمح مر والماء مالح”،وحين يتعبون،يجلسون عند أبواب دكاكينهم الحقيرة، مثل ساحرات بشعات،يبيعون ويشترون،في ذمم الآخرين ،مستعملين كل ما تسمح به قوانين السوق السوداء من أساليب حقيرة ،وطرق بذيئة في مجال المنافسة غير الشريفة،،وإذا سُدّت في وجوههم الطرق،فتحوا وكالات للأسفار،لاستيراد خيرات نصوص آداب غيرهم وإِلباسها الزي الوطني، مع كثير من الماكياج،والتوابل والكريمات التقليديّة يحوّلونها إلى إنتاج محليّ ويعرضونها في واجهات بازاراتهم الحقيرة، إلى جانب بضاعاتهم ،من اللحم الرخيص وعلب اللانشون الفاسدة،التي تخصصوا في تصديرها إلى ملتقيات الدول الشقيقة وغير الشقيقة تحت ستار الشعر والقصة القصيرة….

وإذا انهاروا إلى أسفل سافلين،انقلبوا إلى رجال عصابات ،متخصصة في السطو المسلح على الممتلكات الفكرية والأدبية لغيرهم … ومافيا تتحكم في تأشيرات العبور بين المغرب والمشرق،وسائر الدول الأجنبية، واحتكروا سوق النخاسة والمتاجرة في اللحم الأبيض المعطّر بآخر تقليعات الحداثة الشعرية والنثرية..

الأنذال محترفو الأدب والكذب على ذقون وجوههم الثعلبية المعكوسة في مرايا واقعهم المنحط البئيس،  يتحولون حين يجن الليل،ويشطّ بهم الطريق، إلى راقصات ستريبتيز، فوق منصات المراقص الليلية الرخيصة، يلتفّون حول الأعمدة مثل ثعابين مسمومة تعشق هزّ مؤخراتها تحت الأضواء الملونة للتجمعات الداعرة،يمدون صدورهم المنتفخة،ليعلّق عليها شيوخ الكتابة بعض النياشين والدولارات ،يتزاحمون مثل شيخات هرمة أنهكتها العنوسة،وتعب الركض خلف أمجاد وهمية،وحين يسدل الستار، وتنتهي حفلة المهابيل، يسحبون ظلالهم ويركنون إلى مغاراتهم المظلمة،يفرغون جيوبهم وحقائبهم،يعدّون ما التقطوه من سقط المتاع،من زوائد أهل النّعم ،والحلِّ والربط،ثم يرتخون كما أسماك فاسدة،ترسَّبَت في قعر قارب معطوب عن الإبحار،في انتظار أن يلفظهم البحر يوما، ليصبحوا سمادا أو كبريتا أو فسفاطا صناعيا،،يسمّم هواء الآخرين بروائحه الزّنخة، ويلوّث نقاء هذا العالم.

الأنذال حين يُشهرون سيوفهم الخشبية على خشبة المسرح أو في حلقة شعبية، سرعان ما يتحولون إلى أبطال من ورق تذروهم الريح فيلتقطهم الباعة المتجولون، وبائعو السندويتشات الرخيصة في الأحياء المشبوهة من المدينة،أو تشحنهم شاحنات الأزبال، لتفرغهم في معامل « الرسكلة »  ،ليتحولوا إلى ورق للمراحيض ومسح المؤخرات،أو مناديل لكنس الأوساخ،أو ينتهون في حفّاظات طفل وليد أو قعر بالوعة،وإذا شاء ربك ولَطَف، يتحولون إلى أكياس ورقية،تحلّ مشكل البلاستيك الذي تعيشه بلدنا،فيُعلَّقُون،مثل مومياوات يابسة،في مدخل دكان خضار أو مجزرة … أكياس من ورق تجدها ، مِن أينما هبّت الريح تميل…

 

«  الرسكلة » : إعادة تكرير المواد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*