الرئيسية | منبر الموجة | أدب رخيص | علي أزحاف

أدب رخيص | علي أزحاف

علي أزحاف

 

أزحافأحتسي قهوتي، أتفرج على فيلم حرب عن تجارة السلاح، لا أدري لماذا فكّرني أو ذكّرني هذا الفيلم بتجّار الثقافة في بلدنا وفي هذا العالم الذي أصبح فيه كلّ شيء يسير على رأسه،عالم تحكمه قيم المصالح. قوانين العرض والطّلب والعلاقات الانتهازيّة الرّخيصة، ربّما سيسألني سائل مّا، ما العلاقة بين تجارة السّلاح والوضع الثقافيّ في المغرب… الجواب بسيط وواضح وضوح الشّمس في نهار جميل: عالم تجارة السّلاح عالم براغماتيّ محض، لا مكان فيه للقيم أو الأخلاق أو النيّات الحسنة، ينشط وينمو فقط في الظّروف المتوتّرة المشحونة بالحروب التي تغذّيها الأحقاد والصّراعات المصرانيّة، واختلال موازن القوّة بين قيم الخير والشرّ، كذلك هو مشهدنا الثّقافي، عالم غريب من المتناقضات الفانتاستيكيّة، يتصدّره ويحكمه زمرة من التّنابلة والقوّادين والسّماسرة وبائعات الهوى ,أسراب من غربان عديمي الضّمير والموهبة، الذين يمارسون سلطتهم التقديريّة الحقيرة بشغف احترافيّ داخل سوق المعاملات التجاريّة، الثّقافيّة، يتحكّمون في بورصة الكتابة والإبداع، يستعملون كلّ الأسلحة الوسخة والمقرفة، المتاحة لخنق الأصوات الجيّدة ومحاربة الإبداع الأصيل ووأده في المهد .. يشنّون حربا عشواء على الأقلام المتميّزة والنّزيهة التي لا تنتظر منهم ولا من مشايخهم صكوكا أو اعترافا أو جوازات سفر للدّخول إلى عوالمهم المقرفة.

هم لوبيّات وجماعات تقتسم السّاحة الثّقافيّة كما يقتسم الضّباع جثّة نافقة، يستخدمون طرقا و أساليب رخيصة لا علاقة لها بالأدب أو الثّقافة، لا من قريب أو بعيد، أساليب تُستخدَم فيها كلّ الأسلحة الحقيرة من تطبيل وتزمير وقِوادة مضمرة ومعلنة وتشويه ممنهج لحقيقة الكتابة والإبداع في هذا البلد .

هم فقط زمرة مهانة من الدلاّلين والوسطاء، ومنظّمي الحفلات والحملات والسّهرات، يشنّون عمليّات اغتيال جماعيّ للأقلام الجيّدة، يفتحون الطّريق أمام الرّداءة كي تنتشر وتصبح القاعدة، ويبدو الجيّد في مقابلها استثناء مفرد إفراد البعير المعبّد، يغرّد خارج السّرب ويحاول أن يسمع صوته ويشقّ طريقه بجهد جهيد .

هم مجموعة هلاميّة،  تبدو في الظّاهر مشرظمة ومتنافرة،  لكنّها في العمق تشتغل ضمن نسق واحد وتستعمل نفس الأسلحة المحكومة بقانون مصادرة حقّ الإبداع الجيّد وسدّ الطّريق أمامه، ديدنهم في ذلك التّطبيل والتّزمير وهزّ المؤخّرات في المنتديات والملتقيات، وتنظيم الحفلات لإخواننا المشارقة والخليجيّين وأصحاب دور النّشر، وتزويدهم بما حضر من كتّاب مسخّراتيّة وشاعرات الحداثة الفايسبوكيّة، اللّواتي يتحوّلن في آخر اللّيل إلى راقصات بطن وهزّ القصيد،  بينما يتحوّلون هم إلى دلاّلين في سوق نخاسة الأدب الرّديء، وقوّادين ومرشدين سياحيّين مقابل أن يتكرّم عليهم أسيادهم بدعوة للمشاركة في ندوة أو تظاهرة ثقافية أو معارض خارج الوطن، أو من أجل طبع كتاب حقير.

وضعنا الثّقافي أشدّ وضاعة وشراسة ولا أخلاقيّة من سوق تجارة السّلاح،المصلحة والمنفعة والمنافسة الشرسة التي تُستعمل فيها كلّ الأسلحة الوسخة هي التي تحكمه وتوجّهه، سوق ينظّم قوانينه الإداريّة والتّدبيريّة زمرة من محترفي الدّعارة الثّقافية على رأسها مجموعة من القوّادين المحترفين الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء وحرّاسا لمعابد وبيوتات الإبداع والكتابة الخربة هم وحريمهم من الجواري المدّعيات اللّواتي يزيّنون بهنّ لقاءاتهم المغربيّة، ويقدّمونهنّ كاخر موديلات جادت بها مصانع الحداثة الشعريّة والنّثر التجريبيه، وعملة المبادلات واحدة، خدمة مقابل خدمة، ناهيك عن الأصوات المبحوحة والأقلام المجروحة التي تُصَدَّرُ إلى الخارج لتمثّلنا باعتبارها زبدة الإنتاج الثّقافيّ المغربيّ،  وهم في الأصل مجرّد أشباه كُتّاب، أغلب نصوصهم و أعمالهم منتحلة من نصوص عالميّة أو ترجمات ركيكة لأشعار ونثر الكبار،مجرّد حفّاري قبور وقراصنة لنصوص غيرهم يشتغلون عليها باحترافيّة بشعة , لهذا تبدو في صياغاتها الأخيرة مجرّدة من الرّوح خالية من النَّفَس الإبداعيّ الحميميّ الدّافىء , مجرّد جثث فرانكنشتانية، باردة ومشوّهة، شبيهة بكنزة من خرق صوفيّة مرقّعة ومهلهلة تذكّرنا بكنزة دوللي بارتن في أغنيتها الشّهيرة  coat of many colors

هم في الأصل عصابة من محترفي التّدليس والتّلفيق، ومن « مياومي » الكتابة الأدبيّة الذين يسمّيهم هنري ميللر Les ouvriers de la littérature  والذين يستلذّون الشّرب من المباصق على حدّ تعبير همنجواي .

هم مجموعة من المرتزقة،  تسيء إلى الأدب والثّقافة وأدنى القيم الإنسانيّة، زبل يطفو على سطح بحيرة الثّقافة المغربيّة الرّاكدة، بينما تبقى الأقلام الأصيلة الجيّدة رهينة بالأعماق، موكولة للتّهميش والإقصاء… هم جماعة من الزّبانية يندرجون داخل مشروع قميء لتسطيح العقل المغربيّ وتحويله إلى حاوية قمامة لإستقبال ما يكتبون وما يفرزون من فضلات.

عصابة تخنق الأصوات المتميّزة وتروج للتّفاهة والرّداءة والأدب الرّخيص، ولا تتعجّبْ حين ترى هذه الأسماء المفبركة وهي تقدّم إلى الجمهور العربيّ والدوليّ , على أنّها صفوة الكلمة وعصارة ما ينتج في بلدنا، لتمثّلنا في المنابر الدوليّة والعربيّة، وتُزكّى لدى دور النّشر العربيّة، لتجدها حاضرة أينما ولّيت وجهك ..

لا عجب إذا أن نعيش هذا الزّمان الثّقافي الرّديء،الذي أصبح فيه منظّمو السّهرات، وحمّالات الحطب… كتّابا كبارا يمثّلوننا في جميع المنابر والمخافر.. وأن يملأوا العالم من حولنا فسادا وخرابا…

هم آفة ابتليت بها السّاحة الثّقافية المغربيّة،آفة في حاجة إلى مبيد ثقافيّ ناجع, يزيل أوساخها من بلاطنا، ويطهّر هواءنا من زنخها وعفنها، حتّى يتهسع فضاءنا لنموّ أدب حقيقي، طلائعيّ وراقٍ، أدب جريء يعكس حقيقة الإبداع الجميل الذي غطّى عنه متسوّلو الملتقيات والمترامون عند أقدام موائد الأسياد يلتقطون ما يسقط من الصّحون ويشربون بقايا الكؤوس، يهزّون أذنابهم فرحين مثل جراء لقيطة، بما تجود به أيدي مشايخهم مقابل ما يقدّمونه من خدمات ترفيهيّة نخجل من ذكرها…

نحن في حاجة إلى أقلام تكتب وتفضح زمرة السّوء وتعيدهم إلى أمكنتهم الحقيقيّة، لينتشر الابداع الأصيل وينمو، عوض هذا الأدب الرّخيص الذي طوّقنا كلّ هذه السّنين، أفسد الأذواق وأزكم أنوفنا بروائحه الكريهة.

لكن للأسف أغلب مثقّفونا و كتّابنا وليس كلّهم يكتفون بالزّعيق و الصّراخ داخل الحانات والمقاهي و سرعان ما ينبطحون أمام يد تمتدّ بدعوة لحفل عشاء ثقافيّ أو ملتقى أدبيّ ويصمتون صمت الأموات عن كلّ هذا المنكر.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“أدب رخيص” * هو في الأصل عنوان لأحد كتب شارل بوكوفسكي.. استعرته منه لأنّه يناسب المقام .

تعليق واحد

  1. أخطر ما يهدد أي مجتمع هم المثقفون الذين يعيشون في برجهم العاجي ويتحدثون عن مشاكل المجتمع، وأوضاع السياسة الدولية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*