الرئيسية | فكر ونقد | مَعَايِيرُ الاستِقطَابِ الدِّيْنِيِّ فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأوْسَطِ .. دَاعِش أنْمُوذَجًا. -1- | الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

مَعَايِيرُ الاستِقطَابِ الدِّيْنِيِّ فِي مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأوْسَطِ .. دَاعِش أنْمُوذَجًا. -1- | الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

بليغ حمدي إسماعيلاعتاد المروجون لمصطلح الدولة الدينية سواء على المستويين التنظيري أو الشعبي الجماهيري أن يستخدموا عبارة “الدولة إسلامية ” رغم أن كافة الدول الإسلامية العربية بالفعل لا ولن تحتاج إلى تأكيد يقين هذه الحقيقة التي تعد أبرز سمات الدولة والمجتمع معاً ، لكن يبدو أن مؤيدو فكرة الترويج هذه تنتابهم فترات من الغياب عن استعمال العبارة  من حين لآخر، أبرز تلك الفترات وقت الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، وآخرها الصمت التطوعي والاحتجاب القصدي عن استعمال عبارة الدولة العربية إسلامية.

لكن وسط فترات الغياب تلك التي يصمت فيها المروجون لمصطلح الدولة الدينية عن استخدام واستعمال مفردات القاموس السياسي الديني نجدهم أكثر بزوغاً وسطوعاً وربما انتشاراً عبر الوسائط الإعلامية المختلفة قبيل تدشين أي استحقاق ديموقراطي يمر على البلاد ليستقر بها، تماماً مثلما حدث في انتخابات مجلس الشعب السابق المنحل والتي رأينا فيها كيف تم استغلال ولع المصريين بالدين وشدة تمسكهم بالمعتقدات الدينية وحرصهم اللانهائي على التحلي بالفضائل والمناقب المحمودة ، وهي الأمور التي مهدت الطريق بيسر وسهولة لكافة تياات وفصائل الإسلام السياسي للعبور نحو آذانهم وقلوبهم الوجلة من أجل تحقيق مطامح سياسية بدت شخصية لا تعني سوى فصيل أو اثنين من فصائل التيارات المحسوبة على التوجه الديني .

والخطاب السياسي بهذا المنطق نص تنقصه الصراحة السياسية عند طرحه للجماهير التي هي بالفعل متعطشة وعلى تهيؤ مستدام لتقبل كل ما هو ديني ، قائمة إسلامية ، مصرف إسلامي ، تجارة إسلامية ، قناة فضائية إسلامية ،  رياضة إسلامية ، وكأن الإسلام الذي هو بالفعل دين المصريين الفطري الذي لا يحتاج إلى تدعيم من أهله لأن الله داعم وكفى بالله ـ أمر استثنائي وليس القاعدة الأصيلة .وحرص هؤلاء الذين يروجون لمصطلحات تضيف للمجتمع المصري ولا تنقص منه هم بالفعل يلجأون إلى معسكرات دعوية وترويجية لها تأثير إيجابي لدى المصريين يمكن الاختباء من خلالها للوصول إلى مآرب شتى ، وهذا الاختباء لا يقوم به إلا من يشعر بالخوف أو القلق على مستقبله ومصيره السياسي الذي أصبح اليوم مرهوناً بقرارات الشعب وحده وليس مكتب للإرشاد أو أمير للجماعة .

وحينما يفتقر الطامح سياسياً إلى برنامج سياسي واجتماعي له سمات يمكن التقاط تفاصيله ومن ثم تحقيقه ، فإن أيسر الطرق لدغدغة مشاعر البسطاء أن يمرر هذا الطامح مشروعه الوهمي بالطبع من خلال قنوات دينية وممرات ومعابر عقيدية تسهل له فرصة القفز إلى السلطة والسيادة التي يبتغيها . وبمناسبة القول عن الطموح السياسي بغير برنامج أو مشروع حقيقي للنهضة فإن صاحب هذا الطموح الذي يعاني فقر التفكير وخوف المستقبل عادة ما يلجأ إلى العنف لذي يقترن بالإرهاب والتطرف بالقول والفعل والسلوك الاجتماعي ، لأنه باختصار يعاني من افتقاد الأمن الاجتماعي.

وكلما اقترب الوطن من أي استحقاق ديموقراطي تبدأ تيارات الإسلام السياسي حائرة بين الحفاظ على معالم الأصولية والأخذ بأطراف الحداثة ، والأخيرة في حد ذاتها لا تنشأ إلا من خلال توتر قائم ودائم ، ففكرة تعاطي القليل من عقاقير الديموقراطية لا تؤدي بنتائج طيبة مثمرة لأن الحداثة التي ترادف أحياناً مفهوم الديموقراطية في حالة صدام مستدام مع ثوابت الفكر وركائز الأيديولوجية سواء لفرد أو جماعة ، وهذا التجاذب العكسي بين الأصولية والحداثة يجعل بعض أقطاب فصائل الإسلام السياسي مضطراً إلى دحض نظرية احتكار تفسير السياسة وفقاً لتوجه ديني ، وأحياناً كثيرة يعتمدون فكرة أنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة . ورغم أن المروجين لدولة دينية حسب منظور ضيق لا تهتم سوى بالمأكل والمشرب وطريقة ارتداء الملابس وتجريم السياحة وعمل المرأة فحسب يصرون على شرعنة السلطة أي إضفاء طابع ديني على ممارساتهم السياسية إلا أنهم مضطرون لممارسة بروتوكولات سياسية ترتبط بالحريات والحوكمة الذاتية واحترام التعددية الدينية والسياسية ، وهذا ما يجعل طرح إقامة دولة دينية ظاهرية تصطدم بعلامات أخرى مثل القومية والوطنية والطائفية وشكل الدولة بصفة عامة .

ورغم محاولات فصائل الإسلام السياسي في إيجاد شهود سياسي لها في الحالة المصرية الراهنة إلا أن أنصارها ومريديها لم يحصلوا بعد على صفة ناشط سياسي بخلاف المنتمين لكافة الحركات والتيارات السياسية القائمة أو التي اندثرت بفضل هبوط أدائها السياسي ، فلم نسمع أو نطالع اسماً منتسباً لجماعة الإخوان المسلمين أو حزب النور أو أي فصيل ديني سياسي يسبقه ناشط سياسي رغم أن ظهوره الشرعي على القنوات الفضائية أو صفحات الصحف والمجلات مشروط بطرحه السياسي فقط دون أية إطلالات دينية . وهذا يعكس بالضرورة حالة المد والجزر بين السياسي والديني حسب ظروف المشهد السياسي نفسه . ولعل هذا الغياب في استخدام لقب ناشط سياسي هو الاحتكار شبه النهائي لهذا المسمى الحصري من قبل شباب الثورة المصرية التي انفجرت في الخامس والعشرين من يناير .

لكن في ظل وجود هاجس إقامة دولة دينية ليست كدولة نبي الرحمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لأنه بالفعل صاحب أول دولة مدنية رائعة التأسيس والتطبيق في تاريخ الإنسانية كلها تجد حيرة تيارات الإسلام السياسي طريقها في الترويج لكن بصورة غير واضحة المعالم معتمدة في ذلك على سقطات بعض أفراد المجتمع من تحرش وفجور وتحلل أخلاقي ، إلا أن الترويج الذي نجده دوما مصاحباً لانتخابات البرلمان لا يتضمن مشروعاً لتطوير التعليم الديني الذي هو من أولى ركائز إقامة دولة دينية ، وكذلك الهروب المستمر من حوار تجديد الخطاب الديني الذي يعد الخطوة الأولى لأي إصلاح ، لذلك يبدو ظهور هؤلاء عنيفاً بعض الشئ ، وهذا العنف غير الجسدي يخالف منطق الاستقطاب السياسي الذي يسعون إليه.

ويبدو أن فكرة شرعنة السلطة فلسفة خاصة بالحالة المصرية قديماً وحديثاً تحديداً منذ أيام الحملة الفرنسية العسكرية على مصر ، والتي كرس لها ونظَّر لفلسفتها محمد علي ، حيث سعت السياسة المصرية منذ أكثر من قرنين إلى شرعنة السياسة ضماناً لبقاء يدوم ، وأصحاب هذه الفلسفة يلجأون إلى استخدام سلاح الهجوم على اليساريين والعلمانيين بوصفهم أنهم من دعاة تقويض الدولة الدينية ، والمدهش حقاً أن رواد الحركة السياسية المصرية منذ نهضة محمد علي وحتى إسماعيل باشا كثير ما أضفوا الشرعية الدينية على ممارساتهم السياسية بقصد التأييد والاستقطاب رغم كونهم من دعاة المدنية والليبرالية .

وبين حداثة الواقع والحنين إلى الأصولية في تحديد شكل وطبيعة الدولة نجد أنصار كل فريق منهما يعاني خوف الهيمنة للفصيل الثاني ، ويسعى إلى تحجيم النخب الأخرى وهذا يحدث عادة في حالات الركود السياسي ، أما وقت الذروة السياسية فإن كافة الأطياف السياسية متنوعة التصنيف بين دينية وعلمانية وليبرالية و محافظة تتكاتف كرهاً لكسب أكبر قدر من التعاطف والتأييد الجماهيري من أجل تقاسم  وقتي للسلطة ثم يلبث كل فصيل بعد ذلك لتقويض الفصائل الأخرى ، وربما خير مثال لذلك ما حدث عقب ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952.

وخير مثال لنظرية شرعنة السلطة هو ما طرحه الكاتب الأمريكي سكوت هيبارد في كتابه الجديد ” السياسة الدينية والدول العلمانية ” ، حيث أشار إلى ظاهرة تأميم الإسلام التي انفردت بها مصر قديماً والتي استهدفت بادئ الأمر تقويض النخبة الدينية واستقطابها ثم الوصول إلى حالة من السيطرة على المؤسسات الدينية الرسمية ولو بشكل خفي مستتر أو صورة علنية كالسيطرة على بعض المساجد ضماناً للبقاء السياسي الذي لا يشوبه الضعف ، انتهاء بتطويع الإسلام نفسه إما لخدمة نظام سياسي أو لتحقيق مطامح سياسية شخصية. ويؤكد سكوت هيبارد حقيقة أن المؤسسة الدينية الرسمية في مصر اعتادت قديماً أن تجد تبريرات في صورة فتاوى من أجل تدعيم الأنظمة السياسية الحاكمة وتوفير الأساس المعنوي لأي نظام حاكم ، الأمر الذي دفع كثيراً من حركات الإسلام السياسي إلى رفض الاعتراف بشرعية هذه المؤسسة الدينية وخلق نظام احتكاري جديد للدين ظهر أيضاً في هيئة فتاوى تقلل من شأن الأزهر أو ضد الحاكم وسياساته.

خلاصة الأمر ، أن الإسلام استخدم ولا يزال لأغراض أيديولوجية هدفت إلى إعادة تشكيل الفكر والوعي الجمعي العام ، وبين الترويج لعبارة مصر إسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية وتطويع الدين لخدمة السياسة واستخدام الدين كملمح بارز في الخطاب السياسي ظل المواطن حائراً من أمره في الأخذ بما يردده المروجون للدولة الدينية ، أو ما تنادي به النخب الدينية من ضرورة التوافق بين الديني والمدني ، وبات هذا المواطن ملتحفاً بأية إشارة دينية تصدر من مسئول أو نظام سياسي حاكم يطمئن بها نفسه على مستقبله دون الالتفات إلى الممارسة السياسية نفسها.

 

مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.