الرئيسية | سرديات | مجمع قصة الكون | زياد خداش

مجمع قصة الكون | زياد خداش

زياد خداش (فلسطين):

 

   لطالما تخليت كتاب القصة في العالم، جواسيس طيبين مبثوثين في هواء الوجود، جواسيس لمجمع غامض كوني وغير مفهوم يقع في مكان ما من الفضاء، سأسميه هنا مجمع قصة الكون، شرط المجمع الكوني لتشغيل أي قاص في العالم هو الكثافة، وحين يتوغل قاص فاشل في تفاصيل قصته ويتشعب بها ناثرا فيها شخصيات كثيرة وزمنا عريضا وأحداثا متتابعة، يفصل فورا من المجمع، مع التشهير به، وحرمانه من حقوقه، لا يمضي يوم دون أن أتخلى عن مهمتي في التجسس على آهات الناس وضحكاتهم ومخاوفهم، لا تغيب شمس دون أن أخزّن في أرشيفي تفاصيل مكثفة لوجع لكهل أو شظايا شبق لامرأة أو لهيب حلم لوطن، العالم طيب معي، العالم متاح ومتوفر بسخاء لعيوني وحواسي وجنوني، العالم يسمح لي بالتوغل في منحنياته لتسجيل كل نفس وكل دمعة وكل جمال، القائمون الغامضون على مجمع القصة الكونية إنهم يثقون بنا نحن الجواسيس ثقة ضريرة، فهم يأخذون منا تقاريرنا، بسعادة ويكافئوننا عليها بمنحنا إحساسا بسعادة غريبة تشبه سعاة إله يخلق ويغير ويمنح الحب للعالم. لا ندري بالضبط ما لذي يريده مجمع القصة من أرشفة كل نأمة وكل نفس لكل مخلوق.

نمنح المجمع تقاريرنا ونحصل فورا على إحساس الرب، ذلك هو نحن تلك هي القصة.

أن تكون كاتبا للقصة هي أن تكون جاسوسا وفيا للكثافة والجمال المجروح واليأس الجميل والخوف الأخضر.

في بلادي ثمة جمال كثير وموت أكثر، تلك الثنائية الغريبة بين موت وجمال بلادي، تعطيني فرص دموية للكتابة المكثفة.أنا شخص يتجسس على موت بلاده وجمال بلاده، ذلك التجسس النبيل المعتوه والحزين الذي يشبه رغبة الرب في اللعب مع مخلوقاته. ما هي القصة؟ ما هي طبيعة تقاريرنا التجسسية، هي صديقة حميمة للهامس والملمح له والمشار له إشارة. هي أخت الصمت وابنة عم الفراغ. لا تستوعب التاريخ ولا تحبه، والتاريخ أيضا غير معجب بالقصة .الرواية تتحمل ذلك، بين التاريخ والرواية حالة تفاهم وحب، ومن المحتمل أنهما مارسا الحب يوماً ما. وطأة التاريخ أثقل مما تتحمله القصة. القصة بنت صغيرة في الثانوية العامة، ذكية بعيون براقة، لكن، حزينة دوما، وبيدين هشتين، تلك الهشاشة الذكية والناعمة. تحب بهمس، وتنتظر حبيبها الغامض بشفافية وهدوء. لا يهمها تاريخ المكان الذي تنتظر حبيبها فيه، ولا يدخل في صلاحيات قلبها أن تحاول تحليل تاريخ الحب ورموزه العالميين، هي تنتظر بصمت فحسب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.