الرئيسية | سرديات | قصة بول | أحلام بشارات

قصة بول | أحلام بشارات

أحلام بشارات (فلسطين):

 

يعيش بول في الحي الشرقي من مدينة رام الله، في بيت قديم مكون من طابقين. الطابق العلوي لا يقيم فيه أحد. منذ سنوات طويلة يقذف الأطفال نوافذ بيت بول بالحجارة، يروح جيل ويأتي جيل، ويستمرون بذلك، وهكذا أخلى بول الطابق الثاني لأجل تلك الغاية، ثم تنازل عن الطابق الأول للسبب نفسه. هجر البيت وعاش في خيمة أقامها في الأرض البور خلفه. عندما نفذت الحجارة من الطريق أحضرت البلدية شاحنة من الحصى وأفرغتها على الرصيف المقابل لبيت بول، لم يعترض أحد، سوى عابر غريب مرّ من الشارع فتعثرت سيارته بحجر وانقلبت على بطنها، وأصيب صاحبها برضوض، وذهب إلى المستشفى الحكومي القريب من موقع الحادث. لم يغب عن بال أحد الهدف الحقيقي من وراء شاحنة الحجارة، رغم أن الإشاعة في المدينة سرت تقول: لبناء حوض سباحة كبير للترفيه عن الناس. إلى جانب أجيال الأطفال الذين يرمون الحجارة كان لا بد من أن تنشأ أجيال أخرى من الرواة والقصاصين تخصصت بنقل القصص التي تدور حول بول، مثل قصة بول والحمار. قصة بول وزهرة التفاح. قصة بول وأزهار الشجرة الوردية. قصة بول والحصان البري. قصة بول وسيارة الفيراري. بول شخص وسيم لكنه مضطهد. حاول أن يخرج من هذه الورطة بأساليب مختلفة؛ فخصص حياته بطريقة غير مباشرة لكتابة قصص ترد على القصص التي استمرت تتوالد حوله، وهكذا وجد نفسه كاتبا، عندما سألته مرة، وكانت المرة الأولى التي أزور فيها البلاد بعد غياب 25 عاما، لماذا تكتب؟ قال: أكتب لأبرئ تاريخي. أكتب حتى أفهم الناس. أكتب لألعب. أسرتني قصة بول، وبسببها رحت أفتش في تاريخ المدينة وحكايتها؛ فراجعت مبنى البلدية، ووزارة الداخلية، ووزارة الشؤون الاجتماعية، فكل وزارة كان لبول علاقة بها دون أن يكون مسؤولا عن ذلك، وزارة الاعلام مثلا خصصت قسما خاصا بالقصص المروية عن بول. ما لفتت انتباهي تلك القصة التي سمعتها من أحد العجائز في مقهى انشراح في رام الله التحتا، لقد روى الرجل قصة محمد والد بول، الذي رأى حلما في منامه ليلة ميلاد طفله الوحيد في 16 آب عام 1929، قال له الرواي في الحلم، سمه بول، وروى حينها حكاية كاملة عن مَلَك واضح الملامح حكى قصة عن ناس عليهم أن يفرغوا أحقادهم في شخص ما، مثل طفل له اسم هو بول، لأب اسمه محمد، وهكذا لا هو مع هذه الطائفة الدينية فيحبونه ويحمونه، ولا هو مع تلك الطائفة فيحصل على ما قد يخسره لو كان مع الأولى؛ وهكذا ينفيه الجميع لشكهم فيه؛ فمن هو بول؟ ما هي ديانته؟ هل يصلي؟ أين يصلي؟ مع من: المسلمين لأن أباه مسلم؟ مع المسيحيين لأن الرواي في المنام قد يكون أراد ذلك، لكنه لم يفصح عنه بشكل مباشر فاكتفى باختيار الاسم؟ مع اليهود لأنه ليس مع هؤلاء ولا أولئك؟ جدة بول لأبيه لطمت وشدت شعرها، كان اسمها نعمة، قالت لابنها محمد: كيف يكون اسمي نعمة، واسم حفيدي بول؟ لكن ذلك السؤال لم يهز قرار الوالد، ولا شككه برؤياه، ورغم أني لم أفهم ما معنى أن يضحي رجل بابنه، ولا ما معنى أن يكون الناس مستعدين للخضوع لحكاية ساذجة من هذا النحو، ولا ما معنى أن ترسل القوة الغيبية زائرا في المنام في 16 آب 1929 عندما كانت فلسطين تشهد أحداث ثورة هي ثورة البراق ليقدم اقتراحا من هذا النوع، وكان بإمكانه أن يقدم حلولا أكثر جدية إن كان مهتما فعلا بأمر الأماكن المقدسة وما ينمو فيها من آلام، إلا أن ما لفت انتباهي هو قوة التحمل الهائلة عند هذا العجوز الذي يسكن في خيمة، في محاذاة بيته، كأنه مهاجر فيه، تاركا البيت للهواء والفئران والحشرات، ويكتب قصصا لا ينشرها، فلا يقرأها أحد! لقد آلمني سؤال الهوية في حكاية بول الحقيقية وهو ما لم أجد له أثرا في كتاباته. لقد أوصاني عليها. وضع في يدي مغلفا كبيرا هو بالأساس كيس للاسمنت، ولم يقل كلمة واحدة. لم يبد كشخص يعطيني تاريخه أو حياته، كان كمن يعطيني صحن طبيخ من ورق العنب، أو من شوربة الفريكة، طبخه بـ” نَفَس”. قرأت تلك القصص وكانت بطعم طعام مطهو جيدا، ومبهّر. مسلية جدا. ساخرة. مفعمة بروح مرحة. فيها كثير من حكمة الإنسان وإنكاره. كانت كتبا للتسلية تروي قصصا تشكك في حدوثها. حكى بول في قصة الطفل والنملة عن طفل حاول إقناع بول أنه نملة، وطلب من بول أن يصير حبة قمح، وحذره: ستنهال الحجارة على رأسك إن لم تصبح حبة قمح. كانوا مجموعة أطفال غاضبين، عادوا من المدرسة فترة الامتحانات الفصلية، ويبدو أنهم كانوا غير مستعدين لامتحان اللغة العربية في ذلك اليوم، فكانت النتائج المبدئية سيئة، وأردوا أن يتفششوا، كتب بول قائلا: إنّ أجمل ما تعلمته في ذلك اليوم كان من طفل فقأ عيني ومقابل ذلك علمني أن أطلق العنان لمخيلتي، فله يعود الفضل في أني اكتشفت مهارتي في تصمم الأزياء، التي على أساسها صممت ملابس فريق كرة السلة الأمريكي الذي لعب مباراته ضد المنتخب الروسي في غابات الأمازون سنة 1981. تصميمات بمثابة احتيال على الأشجار، والأعشاب، والطيور الجارحة، والحشرات العضاضة، والدببة، وحتى أبدو حبة قمح فقد قصصت شوالا، وأخطته حول عنقي، وثبت رأس قرنبيط على رأسي وجمعت شُوَك البيت، صففتها الى جانب بعضها البعض، وطرزتها، وجلست فوقها، كنت أفكر بأن أجلس على منجل لكنني قررت في اللحظة الأخيرة أن أجلس في فم شاعوب يلقيني في فم النملة الصغير. لقد كانت نملة بعينين مثل حبات اللوز، لولد اختاره رفاقه لأداء ذلك الدور بناء على قرعة قام بها الأولاد فيما بينهم، كنت أراقبهم وأنا مستلق على ظهري فوق التراب الذي فردته بلطف وكنسته، كان مطلوبا من النملة أن تأكل حبة القمح، فأكل الولد رأس القرنبيط، وبقيت جالسا على مجموعة الشوك التي استلها الأولاد من تحتي وهم يضحكون، وراحوا يغزونها في أطرافي، فسرى تمنيل خدر في جسمي وانفجرت ضاحكا، حتى فاجئني الولد صاحب العينين اللوزتين بعود صغير غرزه في عيني، ولولت وركضت في الحاكورة، ثم على الطريق باتجاه المستشفى الحكومي. بعد يومين مرّ الأولاد وأنا مرمي فوق التراب في المكان نفسه فنادوا بصوت ساخر: بول الأعور. كنت أتمنى لو أنهم عادوا للعب مرة أخرى أن يقترحوا علي أن ألعب دور القنفذ أو الخلد، كان قد صار يستهويني، منذ فقئت عيني، أن أدفن جسدي تحت التراب، أحفر وأحفر فأملأ الحاكورة حفرا، وتتكون تلال صغيرة ناعمة موزّعة بحسابات دقيقة، أزرع في رأس كل تلة منها زهرة أقحوان أحرص على سقايتها رغم أن البلدية قطعت الماء عن بيتي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.