الرئيسية | سرديات | في ساحة جون جونيه | وليد سليمان

في ساحة جون جونيه | وليد سليمان

وليد سليمان (تونس):

 

(1)

كنت حينها أدرس في برشلونة، وأسكن غير بعيد عن شارع “الرامبلا” الشهير. كنت أخرج في الأماسي أتسكع عبر شوارع هذه المدينة ذات المباني الرائعة أو في الميناء، سواء لتمضية الوقت أو بحثا عن المغامرة.

في إحدى الأمسيات، قادني تسكعي إلى شارع جانبي غير بعيد عن شارع “الرامبلا”. كان شارعا هادئا ونظيفا تتوسطه ساحة صغيرة. وفي اللافتة المعلقة هناك قرأت اسم الساحة: “جان جينيه”.

شدني المكان، ووجدتني أجلس إلى مقعد في مواجهة الساحة. ومن حقيبة الظهر التي كنت أحملها، أخرجت كتابي المفضل الذي يرافقني أينما ذهبت: “كتاب الرمل” لبورخيس. رحت أقرأ بهدوء، مستسلما لنسائم المساء التي بدأت تهب في ذلك اليوم الحار. ومع حلول الظلام، كنت قد قرأت جزءا كبيرا من الكتاب.

حين غادرت المكان، قررت بيني وبين نفسي أن آتي بانتظام إلى هناك للمطالعة وللتمتع بالنسائم التي تهب على المكان.

(2)

في اليوم التالي، أتيت إلى نفس المكان في نفس الوقت تقريبا، وجلست على نفس المقعد. فتحت حقيبتي لأخرج الكتاب، وحين التفتّ، كان يجلس بجانبي رجل في سن متقدمة نسبيا. لم أتعجّب من وجوده هناك، بقدر ما تعجّبت من شعور غير مريح اعتراني: فقد خيّل إليّ أنني أعرفه من قبل.

كان بدينا بعض الشيء ولكن دون إفراط وحليق الرأس تماما. ومن احمرار عينيه، كان واضحا أنه لا ينام كثيرا. ولكن أكثر ما يلفت الانتباه في عينيه الرماديتين، هو ذلك اللمعان الذي يُرى في عيون الأشخاص المتوقّدي الذكاء. وعندما التقت عينانا، تناول بإصبعيه السيجار الكوبي الذي كان يحترق بين شفتيه، وألقى عليّ التحية بالفرنسية. كان ذلك أول شيء أثار ريبتي، فكيف عرف أني أتحدث الفرنسية، خصوصا وأننا في اسبانيا؟ ولم أجد الفرصة لمواصلة هذه الأفكار، حيث بادرني بالسؤال:

– يبدو أنك لست اسبانيا…واضح أنك من جنوب المتوسط.

– الواقع أنني أدرس هنا… ولكني غريب!

– كلنا غرباء في هذا العالم!

– أتفق معك تماما : كلنا غرباء في هذا العالم… وأنت، لست اسبانيا على ما أظن؟

– كل العالم وطني…الجغرافيا لا تهمني كثيرا…

وفيما كنت أتحدث إليه، حاولت بيني وبين نفسي أن أتذكر صاحب هذا الوجه، ولكن دون جدوى. ووجدته يسألني مرة أخرى، وهو يشير إلى الكتاب الذي بين يدي:

– ماذا تقرأ؟

قلت:

– “كتاب الرمل” لبورخيس…لا أعرف كم مرة قرأته حتى الآن…فأنا أحمله معي أينما ذهبت، ولا أملّ من إعادة قراءته.

– أحيانا تتحول الكتب إلى مواد مخدرة…ولكني أعتقد، مع ذلك، أن بورخيس واحد من أعظم كتاب عصرنا.

كان شيء ما في نبرته يوحي بالسخرية، أو هكذا خُيّل إلي، فقد بدأت أحسّ أنني أتحدّث مع لغز.

– محبط الرمل…لا شيء ينبت…كل شيء يمحي…

قال ذلك وهو يقف مستندا بيده إلى ظهر المقعد، وعندها لاحظت انه لم يكن بالصلابة التي كنت أظنها في البداية. كان واضحا أنه إنسان لم تكن الحياة بالنسبة إليه نزهة مريحة. تناول قبعة من قش كان يحملها، وقال وهو يضعها على رأسه:

– هل تعرف من قال هذه الجملة؟

– صراحة، لا تسعفني الذاكرة…

– جيمس جويس، في رواية “عوليس”…

وقبل أن أجد الوقت لسؤاله عن اسمه وعما إذا كنا قد التقينا من قبل، كان قد اختفى تاركا إياي أتخبّط في الحيرة.

لم تعد بي رغبة في القراءة في ذلك اليوم. لقد ظلّ صوت محدثي الجهوري يرنّ في أذني. ولم أترك المكان إلا عندما حلّ الظلام.

(3)

في الأيام التالية، واظبت على المجيء إلى نفس المكان والجلوس في نفس المقعد، علني ألتقي مرة أخرى بذلك الرجل الذي بدا لي انه ملمّ بالأدب إلماما عميقا. إلا أنه لم يأت. ولم يحدث أي شيء بعدها يؤكد أن ذلك اللقاء الذي حدث كان حقيقة وليس أضغاث أحلام.

(4)

كان الصيف قد شارف على الانتهاء عندما دخلت مرة إلى مكتبة كبيرة متخصصة في الآداب الأجنبية تقع في وسط برشلونة. كنت في الواقع أبحث عن نسخة لرواية “عوليس” لجيمس جويس. وفيما كنت أبحث في أحد الرفوف، شدّت انتباهي مجموعة من الصور معلقة فوق رفوف الكتب. كانت صورا بالأبيض والأسود لمشاهير الكتاب . وبين صورة لسارتر وكامو، سَرَتْ فيّ رعشة حين رأيت صورة لشخص حليق الرأس تماما يدخن سيجارا كوبيا.

تركت الكتاب الذي كان في يدي على الرف كيفما اتفق وتقدمت نحو الصورة لأقرأ ما كُتب تحتها. وحين قرأت الاسم، لم أصدّق أن ذلك الشخص الحليق الذي كان يجلس بجانبي ويحدثني هو صاحب تلك الصورة: جان جينيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.