الرئيسية | سرديات | غُبَارُ الرّوح | محمد عطية محمود

غُبَارُ الرّوح | محمد عطية محمود

محمد عطية محمود (مصر):

 

تشعلين مصباحك الخافت في (كوَّته)، فيما بين سقف حجرتك وجدارها، فوق صورتك القديمة بشعرك المنسدل طليقا خلف كتفيكِ وعلى جانبي جبينك، ومحياكِ الباسم في خفوتٍ صبياني يحمل ثقلاً خفياً، ونظرة عينين وجلتين إلى مجهول..

بين الأبيض والأسود ترضخ الصورة في ظل مصفر باهت، يمتص ما سمح به الضوء الشحيح؛ فيزداد شحوبه وغمقته، وأنتِ تُشرفين على رؤوس أشباهٍ لكِ، بالدم، يصغرونك.. يتراوحون بين الطول والقصر، وملامح شغب عتي، ومسالمٍ، تتشكَّل في وجوههم الدَهِشَة.. ربما تميزتِ/ اختلفتِ عنهم ببشرتك السمراء النحاسية المطفأة، والمستسلمة في آن.. صِغاراً كنتم، أغراراً، لم تجمعكم إلا تلك الصورة الباهتة، القادمة من أغوار السنين.

         تمتدُ يدكِ في فضائِك.. تتحسسُ منفضةَ سجائرك، العاجيَّة، ببقع حروقها المتناثرة على حوافِّها، بعضُها غائرٌ موغلٌ في لُحمتها، وبعضها سطحيٌ باهتٌ فيما بين الأصفر والبني، وقاعُها مسوّدٌ معتم من أثر الطفي..

تُراكِ تنفضين فيها رماد لفافاتك المتوترة؟!!.. أم تهيلين فيها غباراً متطايراً من أفكارٍ مشوشةٍ أو ندوبٍ تجتاح الروح؟!!.. أم تغمدين فيها ذاك الجسد المتألم في فضاء معتم يمتص رحيقه، أو ربما يمتص حياة الروح فيه؟!!

         تزوغ عيناكِ في الصورة.. تُرى هل هُما عيناكِ مازالتا؟.. أم هما آثار لعيون منسية تركتيها ـ هناك ـ في منفاكِ الأول البعيد.؟!!..

تجتاحك الآن رغبةٌ في التماوج، الانسلاخ، والارتداد إلى عصا مكنستك القديمة، وأنتِ تكنسين غبار أيامك المنسيَّة هناك.. تُرى هل تصلُح مكنستك الكهربائية الحديثة، المعتصمة أمامك بركن الحجرة، لكنس ما تكدس من تراكمات غبار سنينك الجديدة، أم أنها صارت جزءً محبطاً من منفى بعيد اختزلك هنا؟!!

         يفاجئك صوته، ترنيماته في أذنيك، التي اخترقت غربة جسدك وروحك، في مساحة انفلتت من زمنك، باغتت روحك، زلزلتها، أيقظتها من وهدة وحشة سجنتها في جسد قديم، هو جسدك المترع بشقاء الأيام وعناد الرياح من حولك.

هل تُوحِشك الآن صورته، ملامحه، أم أنها صارت طيَّاً، وطيفاً معانداً يناوش رياحك، فتحيلها بنزقك نثار روحٍ تنسحق لتصير غباراً يتراكم على أرضك، من السهل أنْ تمتصه مكنستك الجديدة، فيهدأ الصوت ولا تسمعين أنينه الخافت، وسط ضجيج طقوس أيامك ـ بعيداً عنه ـ في أذنيك.

         يعود ليهزك صليل قلبه المعدني، تميمته التي أودعها بين يديكِ، وأنتِ تطئين بأقدام روحك قبل جسدك، أرض منفاكِ القديم ـ الذي صار منفاه الجديد ـ فتهرعين إلى خزانة أشيائك؛ ينزلق شاله الحريري المضمخ برائحة عرقه ـ الذي طوّق به رقبتك ـ تحت قدميك ويلتف حولهما.. يتمسح ـ الآن ـ في ساقيك، بينما تغيبُ بين طيَّات ملابسك وشوشاتُ ضلوعه إليكِ ورسائلُ بوحه وحنينه، وخاتمه الذهبي المختبيء بخزانة أسرارك، ممهورا باسمه.

تُرى هل صار قلبه حديداً بالفعل؟ أم أن قسوة أيامك قد مسّته وجففت أنهار حنينه إليكِ؟!!.. وهل مازلتِ تتوقين إلى ملامسة شاله، ضمُّه إلى صدرك، لفّه حول كتفيك وصفحة عنقك، والاستغراق في رائحة عرقه وبقايا عطره، والتلذذ بمخارج حروف اسمه التي تنطلق من جوف حنينك إلى شفتيك، اللتين كانتا مبللتين بندى عشقه، وتوحدك بك وانصهارك.

         تقسو عليكِ نظرة شقيقتك، المطلة من الصورة، بملامحها التي مازالت تميل نحو الصفرة، تعكس اندهاشاً من نوعٍ مختلف، تمارس عليكِ دور الأم ـ الذي كنتِ تمارسينه عليهم بامتياز ـ تجعل من نفسها رقيبا عليكِ.. تشير أصابعها الطويلة المُشرَعة في اتجاه وجهك، بعدم الاقتراب، الابتعاد الواجب، عدم الوقوع مرة أخرى في شراك عنكبوت جديد!!.. أهكذا هي ترى علاقتك بآخر؟!.. وهي الآن في كنف دفئها؟!

         يستدير صوته ليناوش روحك.. يتسلل، يوقظ بنعومة متوحشة مكامن صدرك، تهرع يدك نحو علبة سجائرك.. تمتص أناملك المحترقة واحدة، بينما تشتبك عيناكِ بنظرة أخيكِ الأكبر، بحنو نظرته وميلان رأسه نحو اليمين، تجاهك في الصورة ـ كما في الواقع ـ وكفك تربت على كتفه في اتكاء مرجو، وحنو تفيض به روحك.. يغشاك فيض مشاعره المرهقة، وهو يغتصب أسباب حياته اغتصاباً، وترتبط بكِ مشيئة أيامه بحبل سري يمتد برغم البعاد، يجعلكما الأقرب والأنقى والأصفى والأحن في حيز لا يعترف بالدفء.. تقفز في صدرك ووعي ذاكرتك الملتصقة بروحك، أشواق لقائه بك ـ طفلاً صغيراً كما بالصورة ـ عندما عُدتِ من أول منافيك، إلى منفاكم الأصيل، وتعلقه برقبتك، قبل أن يلتهمك أول عنكبوت ـ على حد تعبير شقيقتك ـ ويبتلعك طوفان آسر، يلفظك فيما بعد لطوفان أشد في غربة ممتدة بلا قرار.

         ترتعش السيجارة بين شفتيكِ، تنتج أطيافا تتزاحم.. تتراقص على ضوءٍ شحيحٍ مضبب، تغتالكِ فيه أقدام متسارعة، صاعدة هابطة، على درجات سلم تتباعد وتتقارب بك.. تومض فيها نقاط مرتعشة لا تفتح طريقا لبصيص نور قد ينبسط، ربما أزاح بعضاً من عتمة.

         تتلاعب في رأسك بقايا كلماته، ترنيمات عشقه، نداؤه الذي يشغل حواف القلب ويشعله، يطلق إسار الروح.. يسري خدراً محفوفاً بحذرٍ شديدٍ متردد في ثنايا الجسد المستسلم..

تؤلمك حدة نظرات أخيك الأصغر، وهو يقلِّب سيجارته على جانبي شفتيه، يجرع من كأس نزقه.. تشي ملامحه اللامبالية ـ في صورتكم ـ باستهتار وتهور مبكرين، فقد نمت به الأيام ورعرعت فيه نزعته للتوثب والانقضاض، برغم انضوائه تحت جناحي اغترابك!!..

 حينما كانت تأتيكِ الإشارات الوامضة، حاملة نشواكِ وخدرك، على هاتف المسافات الشاسعة، تخترق جبالك وبحارك التي تفصلك عن فارس المشاعر النبيل، كانت تأتيكِ انقضاضة أخيك كسهمٍ نافذ، سكينٍ ناجزٍ يقطع حبال الوصال، فتنزوي كلماتك ويخذلكِ ضعفُك، ليشتعل الوهن في قلبك، والغضب في قلب ينتهبه عشقك، بليل كان لكما وحدكما، ونهارات ممتدة من الشوق والترقب والتقلب على جمر الانتظار.

هل ترين أن فارسك كان ـ حقا ـ نبيلا؟!!.. وأنكِ ـ حقا ـ وُلدتِ، ثانية، من رحم روحه ونزقه، وافتتان روحه بكِ، وتطلعه لاقتسام بهجة ما تبقى من الأيام معك؟!..

أم أنه كان مجرد طوق نجاة، تشبثتِ به وتشبث بكِ.. داواكِ من سقم جرح غائر، خلَّفته فيكِ علاقة آسرة حميمة، بعنكبوت (آخر) نسج خيوطه حولك، واستسلمت له؛ فالتقمك.. أحكم قبضته عليكِ.. لم يفلتك، وأسرك في سجن البدن، ثم… لم يحتمل أحوالك، فلفظك.. تركك نهب تحرشك بعالم مازال يكشر عن أنيابه، لتنبت لكِ مخالب جديدة.

فهل توحشت مخالبك، لتطول فارسك النبيل، وتُحدِث به ذات الجرح الذي مازال ينزف بداخلك؟!!.. ترى هل يغفر لكِ خطيئة أن حملتيه بعنادك على البعاد، بعدما نشبت فيه مخالبك العنيدة التي تشهرينها لأول مرة في وجه أحد؟!!

هل مازالت تؤلمك بقايا نظراته الشاكية التي ظلت تحبو خلفك وأنتِ تولينه ظهرك، والمسافات بينكما تتباعد، في أعقاب أخر لقاء؟!!

         ترتعش يدك على الهاتف.. هل تريدين ـ الآن ـ سماع صوته؟!.. أم أن صمتك مازال يخذلك.. يوخز مكامن روحك المحتبسة في جسدك.. يبطيء سير أيامك السكرى.. تنخذل روحك.. أم تتألق؟.. تشتعل جذوة عشقك.. أم تخبو؟.. فالصوت الساري في صمتك القادم من أغوار هجرانك وانكسارك، لا يشبع فيك نهم الخروج من شرنقة صمت يجثم عليكِ وعلى كل الأشياء من حولك..!!..

«فهل تكفّرين ـ الآن ـ عن صمتك؟!!”

         يغشاك صرير الباب، وحفيف أقدام ابن أيامك المضنية، رفيق منفاكِ وعلته، يقترب من أعتاب حجرتك، ببعض من ملامحك الممتدة فيه..

فهل عليكِ ـ الآن ـ غير أن تغمدي بقايا سيجارتك في جسد منفضتك.. تنزعي عنك الشال الحريري الذي استقر، رغما عنكِ/ لا إراديا، على كتفيك.. تلقي سماعة الهاتف إلى جوارك.. تُحْكِمي ضم شعرك المنسدل على جبينك في فوضى إلى الخلف، بخيوطه البيضاء المقتحمة، المنذرة.. لتعاودي تشخيص البسمة الزائفة على شفتيك ووجهك، قبل أن يلج نحوك.. يشعل ضوء مصباح الحجرة المعتاد.. يطوِّقك بذراعين فتيتين.. يستنزف ما بقي من ذبالة مشاعرك، فيغيب الظل الباهت عن الصورة، ويزهو ضوء الحجرة، ربما يغتال، إلى حين، بعضا من أغبرتك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.