الرئيسية | سرديات | المُسمّاة | محمد فطومي

المُسمّاة | محمد فطومي

محمد فطومي (تونس):

 

    قبل اختفاء “غادة” بيوم أمضى المدير ظهيرة شيّقة صحبة شريف خير، أكل و تكلّم كثيرا. شريف الذي غادر البلدة غير آسف لينتقل للعيش في إحدى ضواحي العاصمة، ظلّ مسكونا بغيظ قديم حتّى بعدما صار من سكّانها المُخلصين لطقوسها، اعتبر غيظه ذاك داء لا يقوى عليه سوى الموت، عاشره . ربّى نفسه عليه. تتردّد العبارة في أعماقه و تشبع رقادا طيّ مفكّرته:” الدنيا تجازي بسخاء عظيم أبناءها الذين نسيت ربط أرجلهم بأغلال ثقيلة”. تلك كانت قصاصة. بين أوراقه تنام قصاصات أخرى و أخرى، لعلّ أحبّها إلى نفسه تلك التي أحجم في آخر دقيقة عن ضمّها إلى رسالة كتبها لأخيه الصّغير المهاجر خطّ فيها: ” العمر فرصة تُتاح لك مرّة كي تعيش بعدها حياة طويلة كريمة.. جد لك ملهاة غيره.. أرى بوضوح الآن يا أخي.. أعتقد أنّ علينا العيش بفضل حياتنا.. حاول فهمي أرجوك! “. صاحب القصاصات غاب عنه في المرحلة الأهمّ من حياته أن يتأمّل؛ أيّهما خدم الآخر؛ رصانته الأقرب إلى الصدّ هي التي منحته هالة إجلال و حظوة الذين نثق بشهادتهم حتّى على مواقف لم يشهدوها؟ أم أنّ وظيفة القيّم، بأبّهتها و اختلافها، هو الذي أكسبه هالته تلك. نسي أيضا أن يتساءل ما إذا كان قد آمن يوما بقصاصاته. عدا ذلك فهو أوّل المبشَّرين بترقية مجزية بوساطة خاصّة من المُدير مكافأة له على تقديسه للنّظام،    و هضمه الآنيّ لما يقف وراء التّعليمات من ضرورات يخلط العامّة عادة بينها و بين الظّلم. منذ سنين و الوعد قائم، بل أكثر من ذلك كان يرسخ و يتجذّر كلّما برّر له تأخّر الإجراء كما يسمّيه.

***

  يتذكّر كلّ تفاصيل حواراته مع “غادة”. كانت و مازالت في نظره مخلوقا ساخرا مُختلفا و جادّا جدّيّة لم ير مثلها من قبل كانت أحيانا تبدو له صريحة كماء يتدفّق خارج بيت أهله غائبون. لم تهتزّ براءتها عنده حتّى بعد فرارها من المركز، ما حصل أنّ ألوان الصّورة قد شعّت ليصحّ في نظره أنّها مخلوق بريء إلى حدّ آثم.

قالت له يوما و هي ترتّب بعض أغراضه المبعثرة على المكتب بطريقتها:

– ليس لي أهل. كان لي فيما مضى أهل. الآن لم يعد لي.

 فتاة عرفت دفء العائلة قبل أن يُقذف بها في ملجأ لفاقدي السّند ثمّ تُنقل إلى مركز تأهيل لبلوغها سنّ الثّامنة عشرة، لا معنى لتذكيره إيّاها بأنّنا ننتسب آجلا أم عاجلا عن طواعية إلى أشياء لطالما قاومنا انتسابها إلينا بالقوة، فهو مثلها عاش في بلدة لا يمتُّ لأهلها بصلة دم. قال :

– لا تهتمّي كلّنا أهلكِ . السيّد خالد عمّك و أنا عمّك أيضا، و البنات هنا أخواتك.

– أنت لست عمّي. عمّ واحد يكفيني. أنت خالي.

ثمّ أضافت بعد صمت : أريد أقارب من كلّ الأنواع.

مسح على رأسها براحة يده:

– كما تريدين .أنا خالك إذن.

أمسكت بيده و قبّلتها.

حدّثته في مناسبة أخرى أّنّ مدرّساتها يأبين استضافتها أثناء عطلة نهاية الأسبوع، قالت:

– كلّ البنات هنا لديهنّ بيوت يأوين إليها آخر الأسبوع، إلاّ أنا. الرّجل الأشيب أخبرني بأنّه اتّصل بعمّي خالد عديد المرّات ليأخذني معه إلى الملجأ لكنّه يتهرّب في كلّ مرة.. مضى أكثر من شهرين و لم أخرج من هنا.

  ثمّ تابعت برجاء صارم: خالي! أريد أن أذهب معك.

– غير ممكن يا غادة..تعرفين أنّي…

قاطعته كما لو لم تسمع ردّه :

 – أنت الوحيد الذي يصغي إليّ و يفهمني. أرسلني  لأعيش مع والدتك .ألم تقل لي إنّها تعيش مع شقيقاتك بمفردها في بلدتكم. خذني إليها.. سأفعل كلّ ما تطلبه منّي مدى حياتي. أعرف أنّهم سيُلقون بي في الشّارع بعد انتهاء الدّورة كما فعلوا معي بالملجأ. سأضيع.

 – غادة لا تشغلي بالك الآن بما سيأتي..سنرى لاحقا.

كرّرت طلبها. كان إلحاحها يزداد في كلّ مرّة و كان شريف يتجاهلها برفق و يضاعف اهتمامه بها مكثّفا حصص إنصاته إليها ،ملبّيا احتياجاتها الصّغيرة كخال حقيقيّ..

 لم ينتبهوا إلى غياب “غادة” عن المركز إلاّ في اليوم التّالي. ارتبك الجميع. عمّت الفوضى. عمت العقول. تضاءل جسد المُدير حتّى صار يبدو من الخلف كصبيّ صغير. ماذا لو علمت الوزارة من جهة غيرهم. مصيبة .ستنطبق عليهم السّماء و الأرض. الطّمأنة بدأت تسري في أوصالهم حين شرع شريف في القيام بما يلزم. الوزارة لا تُداهن و لا تتربّص. هي بلهاء ككرة مضرب ترتدّ مباشرة لو اعترض سبيلها حائط. ثمّت متّسع لفعل شيء ما. حرّر تقريرا مفصّلا عن فرارها ذكر فيه أنّها غافلت الجميع و أفلتت.

لقّن الحارس أقواله. زوّر دفتر الحضور بالمبيت، كتب إعلاما بالفرار وافى به البوليس مرفقا بتقرير يدلّ على أنّها تسيء معاملة مدرّّساتها و بقيّة البنات. و بصفته مباشرا لحالتها كتب مذكّرة يؤكّد فيها حدّة طبعها و ميلها الفطريّ إلى لانحراف. راسل الوزارة و الوالي على الفور يُبلغهم أنّ “المسمّاة” قد عمدت إلى الفرار هذا الصّباح و أنّ المركز قد طبّق النّظام و أُخلي ذمّته منها. استدعى السيّد خالد والدها القانونيّ كما درجوا على مناداته، و جعله يُوقّع كالمُنوَّم على بيان براءة المركز من “المسمّاة”.

   كانت الأحداث رغم متاعبها الّلذيذة ستنساب باتّساق مريح كأنّك تشاهد جسما خبيثا ينزلق بيسر صوب بالوعة، لولا أنّ المُدير دعاه إلى مكتبه فور وصوله، بلهفة واضحة، قال له مزهوّا و هو يفرك يديه: “أمطرت الغيمة بعيدا عنّا يا شريف..عرفوا مكانها و قريبا سيُلقون عليها القبض.. البوليس أخبرني بذلك قبل قليل”. تلقّى شريف خيري النّبأ بابتسامة شدّت جبهته إلى الخلف و بفظاظة شبه طبيعيّة أجاب: ” هي جهودك سيّد نور الدّين..لا ندري لولاك أيّ مصيبة كانت ستنزل على رؤوسنا. “

***

   “أمطرت الغيمة بعيدا عنّا يا شريف..! ” مجاز لعين لا يدري إن كان قد ألهب أم أخمد في كيانه إحساسا بضرر عميق.. فأن تكون الغيمة قد أمطرت أم لا هناك حيث العدم المطبق كما خمّن، فهذا شأن ودّ لو أنّه لم يتفطّن إليه بتاتا، رنين الكلمات نفذ إليه حادّا صاعقا كعقدة نقص، كداء يتغذّى على كهولته هذه المرّة، وَخَزَ جرسها أوهن نقطة في كيانه و هو يحيله على احتمال هطول الغيمة، كما عرفها، فوق أجمات قبيحة و مكبّات للفضلات و الرّوث. اخترقته المماثلة عارية كسيخ حارّ، بدت له فيها ضفادع المستنقعات تلعق خدّها و عينيها السّوداوين و بشرتها البيضاء النّضرة. ألسنة الضّفادع و مخالبها تمتدّ أعمق لتمتصّ بشفاهها المريعة صوتها النّاعم، ثمّ تمتدّ أبعد لـتسحق قلم الرّصاص الذي تشبك به شعرها، و بلا اهتمام تخلع عنها مرحها، النّجمات المتلألئة على أطراف أحداقها، دعاباتها التي تربكه حدّ الشّعور بالدّمامة، مهاراتها الصّغيرة؛ الرّقصة التي تحوم حولها   و تكاد تنفر من جسدها، اسمها، اللّحن الذي يكاد يفلت من بين شفتيها..ترفسها. تكوّرها. تحرقها ثمّ تدور حولها و تدور بجنون، حتّى إذا انطفأت الشّعلة مرّغوا بطونهم على جسدها الغضّ الواحد تلو الآخر.

    لم يُلقِ البوليس القبض على “المسمّاة” كما بشّر ، بل على جثّتها مطعونة إثر العثور عليها ملقاة تحت منحدر صخريّ على مقربة من الشّاطىء بعد أسبوع من غيابها.

     أٌقفل الملفّ و ازدان بختم أزرق حبريّ يحمل عبارة : “أصليّ للحفظ”. شريف خيري هو الذي نال شرف إسناد العدد و حفظه في علبة أرشيف و مواراته في ركن من خزانة مهجورة. كان يفعل و حوله يحوّم شعور لطيف بأنّنا لا نفقد نزاهتنا إلاّ إذا صفّقنا في نهاية العرض.

 انتهى كلّ شيء تقريبا ما عدا جزئيّة بسيطة؛ يأمل في أن تصير بموجبها الأحداث الماضية غريبة عنه تماما، حصّة تفكير ما انفكّت تناكف سلامه و تلحّ عليه كردّ على رسالة معلّقة..يفتنه حتّى يحين أوان حصّة التّفكير، إحساسه العميق بأنّه شُفي من لعنة الضّفادع و استعاد موهبة العثور بسهولة عن مسوّغ عادل لاختياراته. أولى الإشارات لاحت له عندما بدت الحكاية برمّتها أشبه في خاطره بشريط رتّبه القدر. القدر وحده رتّبه كما يليق بجسارته و أحقيّته في توزيع الوظائف و الأدوار.

     كان في حاجة إلى استفاقة لا تُبطل ما جرى بل تجعل منه بداهة غير جديرة بالذّكر. يريد أن يفرَغ.. به رغبة كالتّعذيب في النّهوض . أن تصير لديه لامبالاة وحيدَ قرنٍ يصحو فلا يجد قرنه. لكنّ وهج الخروج من الورطة يثير لدى الآخرين شهيّة الهذر. يشوّشون أفكاره و يعطّلون عبوره نحو القادم. سينتظر حتّى تسيطر الرّتابة و الضّجر.

  مضغوا كلّ الرّوايات الممكنة. انقطع ذكر غادة بأسرع ممّا تصوّر.. حطّ الضّجر.. طقس التّفكير مثمر.

الّليل!

عاد إلى بيته مُتأخّرا. لم يحصِ المقاهي التي ارتادها. نسي كلّ الوجوه. غيّر ملابسه. فتح الرّاديو. حاك زرّ قميص ما انفكّ يؤجّل حياكته. تناول كتابا و استلقى. هكذا اعتاد أن يُفكّر. سيترتّب في ذهنه كلّ شيء من تلقاء نفسه و عيناه تجوسان ساهمة بين الأسطر.

   حاول استحضارها. جاهد نفسه. نيابة عنها حضر شقاؤها المحبّب إليه :” خالي. أحيانا حين أنام ينقلب بي السّرير فلا أدري أين رأسي”.

مات وجهها. بقي أن تموت الذّاكرة. جاهد.

ذرع الغرفة جيئة و ذهابا بخطو شيخ، بخطو فتى ركيك، بخطو أبله، بخطو عامل متعب، ثمّ استسلم للنّعاس.

لمّا استيقظ في الصّباح كانت الكدمات على جبينه قد عطفت نحو لون الصّلصال، و خيط الدّم الذي سال من أنفه أثناء نومه قد جفّ تقريبا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.