الرئيسية | فكر ونقد | المثقفون المغاربة ورهان التغيير (1) | فريد لمريني

المثقفون المغاربة ورهان التغيير (1) | فريد لمريني

فريد  لمريني

1-   ملامح من شخصية المثقف المغربي    

   توجد النخبة المغربية أو يوجد المثقف المغربي اليوم في وضع سوسيو-ثقافي غير مريح على الإطلاق. وتبدو علامات عدم الارتياح واضحة على واجهتين :

أولا– في إحساسه بذاته لحظة سؤاله الوجودي عن كينونته الاجتماعية،  وهو الإحساس الذي تحوم حوله بصفة عامة، مشاعر عدم الرضا عن شروط ممارسته ،وظروف اضطلاعه بمهامه ووظائفه داخل مجتمعه.

ثانيا– في الهجوم العنيف الذي يستهدفه في الوقت الراهن بشكل خاص في الأوساط الإعلامية والشعبية المغربية، وهو الهجوم الذي لا يتوانى عن حمل صك اتهام قاس وعريض ضده، بالاستقالة والتواطؤ والموت، أو على الأقل بالغياب أو الصمت

    إذا اعتبرنا أن هناك  ٌ صمتا  ٌ ما، فان قياسه السوسيولوجي الموضوعي لا يتم بهذا النوع من الأحكام. والوضع الثقافي الراهن في المغرب بالغ التعقيد، والمثقف في قلبه يوجد في طور التشكل والبحث عن مواقع اجتماعية ممكنة، في صيرورة هذه التحولات الجارية بقوة هذه الأيام.

   مما لاشك فيه أن مثل هذه الإحكام صيغت على عجل، واستندت على كثير من التحليل السطحي غير الدقيق ، بل إن بعضها الآخر لا يخلو من تحامل واضح ضد النخبة المثقفة وتحميلها مسؤولية تأخير التغيير الاجتماعي المرتقب .

    هل من المشروع أن يحمل المثقف أوزار أزمة مجتمع بكامله ، أو سيره البطيء في سكة التقدم نحو المستقبل ؟ فالمثقف ليس مؤسسة ولا حزبا سياسيا يمتلك خطة أو مشروعا جاهزا لانجاز التغيير، ولا زاوية دينية يحج إليها عدد هائل من الأتباع  المطيعين والباحثين عن بركة الشيخ ورضاه.  لماذا تختزل كل المسؤوليات التي يمكن أن تضطلع بها، في نطاق البحث عن التغيير الاجتماعي، مؤسسات و طبقات وشرائح اجتماعية واسعة في شخصه ؟ وهل يمتلك المثقف موضوعيا هذه السلطة وهذا النفوذ الاعتباري الذي يتهم بهذه الكيفية من التحليل، بعدم استخدامه وتفعيله العملي لمصلحة مجتمعه ؟ هل المثقف داعية ومبشر بدين أو أسطورة بطولية  جميلة، أو حارسا إيديولوجيا لشعارات رنانة في التعبئة وشحذ الهمم، حتى تنسب له هذه المسؤولية التاريخية العظمى ؟

    لاشك أن الموضوع شائك إلى حد كبير، ولا يقبل مثل هذا النوع من التحليلات العابرة التي تعتبر المثقف إيديولوجي طبقة ، وتعتبر النخبة المثقفة ناطقة امتيازية أو حصرية باسم المصالح الإستراتيجية للمجتمع أو للأمة .والحال أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق .

    تتحدد أوضاع وملامح النخبة المثقفة في المغرب في الوقت الراهن بمجموعة من العوامل الموضوعية .من أهمها  :    

1- نجاح خطة الدولة في الاستقطاب الإيديولوجي للمثقفين ومنتجي الأفكار، وهي خطة محكمة في التجديد الحذر والمراقب للنخب ، وهيمنتها الحصرية على المجال الثقافي العمومي.

2- ضعف أو هشاشة المجتمع المدني المغربي وعدم قدرة الحقل التواصلي السائد، على استيعاب الديناميكية الاجتماعية الجارية. فالمثقف بالذات وبالمعنى الحديث للمفهوم، ينمو ويعيش وبالتالي يخاطب المجتمع أو يؤثر ويتأثر به، في داخل هذا الحقل بالذات .والنخبة المثقفة لا تلج وسائط الاتصال ومؤسسات الإعلام العمومي إلا لماما .وهذا يعني أن المثقف المغربي لا يمتلك  إلى حد كبير وسائل التعبير والتبليغ التي يملكها المثقف في مجتمعات الحداثة.

3- تقليدانية الحقل السياسي الراهن ورتابته الفكرية وضحالته الإيديولوجية . وقد كان هذا الحقل في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية مشتلا إيديولوجيا لإنضاج الأطروحة الفكرية الرصينة والتحليل النظري الاجتهادي لدى الشرائح المثقفة المغربية. ومما لا شك فيه أن سقوط الشعارات الإيديولوجية القديمة التي كانت في الماضي حافزا قويا على التنظير والكتابة الملتزمة والجريئة، وشحذ طاقات المناقشة الفكرية العمومية ، خاصة لدى بعض شرائح الوسط الثقافي ، عاملا إضافيا أدى في بعض الأحيان إلى لحظة صمت وتأمل فكري لا يعرف أجله لدى بعض المثقفين، والى حالة استرخاء وجودي صيرته شروط موضوعية وذاتية، أو حتى شخصية وسيكولوجية في بعض الأحيان،لدى بعضهم الآخر .

4-  العلاقة الضعيفة والهشة بين الجامعة المغربية ، كفضاء طبيعي لنشاط المثقفين ومنتجي الأفكار من جهة ، والمجتمع ( الوسط السوسيو-ثقافي ) من جهة أخرى .أضف إلى ذلك الاختلالات البيداغوجية العميقة للتعليم العمومي، إذ لا يستطيع هذا القطاع الحيوي إلى حد الآن وبشكل ملموس ، تكوين مثقف بالمعنى الدقيق للكلمة، كمنتج مبتكر للأفكار وحائز على استقلالية فكرية قوية ، أو كمتلقي اجتماعي ديناميكي وايجابي للإنتاج الثقافي .

5-  هيمنة ثقافة الإفتاء الفضائي والاستشارة الدينية المباشرة عبر الويب على نطاق واسع، داخل الحقل الاجتماعي المغربي المفتوح بلا حدود على العالم .وقد أصبحت هذه الثقافة نموذجا فكريا ومرجعية سلوكية بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع المغربي ، مما نتج عنه تقلص أو تراجع الموقع الاعتباري للمثقف كخبير معرفة وفكر عملي، أو كمستشار ثقافي  إن صح التعبير .

6- ضيق نطاق سوق القراءة إلى حد الآن .ولا نعتقد أن الجهة الحكومية الوصية تستطيع أن تملك إستراتيجية عملية وواسعة المدى للتخفيف من هذه المعضلة الهيكلية، في مجتمع يعرف نسبة عالية من الأمية . أضف إلى هذا أن مسألة القراءة على مستوى المعاينة السوسيولوجية ، مسألة بالغة التعقيد في مجتمع تمثل فيه المرجعية الشفوية ، محددا حاسما وجوهريا للفعل الثقافي السائد .

7- في مجتمع يشكل فيه الحقل الثقافي فضاء منفتحا على الخارج إلى حد الهوس بالإنتاج الثقافي الأجنبي شرقا وغربا، لا تتم العناية  بالمثقف المغربي إلا لماما ، ولا تتم رعايته الاعتبارية أو تكريمه المعنوي ، في غالب الأحيان ، إلا بعد مرضه العضال أو وفاته . وهناك اليوم عددا لا بأس به من المثقفين والمنتجين الثقافيين المغاربة الكبار، يكابدون عزلتهم في غفلة عنا ، كما أن هناك بعضهم الآخر الذين يتم تكريمهم وتقديرهم الاعتباري في الخارج ، أكثر مما يستفيدون من وضع مماثل داخل بلدهم .

    سبق لعبد الله ساعف أن كتب في تسعينيات القرن الماضي ما يلي :

ٌ  إن الدراسات المتوفرة حاليا لا تسمح حتى الآن برصد فئة من المثقفين لدينا ، سواء بالمفهوم الغربي للكلمة ، بصفتهم فئة خاصة من منتجي الأفكار، أو بالمفهوم الروسي لتجربة الأنتلجنسيا ، أي تلك الجموع ذات المراتب المختلفة والمرتبطة فيما بينها برباط الأفكار الاجتماعية التي تقوم بنشرها . فلو كان هناك أي تشابه، لما كان لمسألة علاقة المثقف بالسياسة أن تطرح، لأن الظاهرة الثقافية في كلتا الوضعيتين قد دفعت إلى الاحتراف السياسي . فلا شيء يبرر حتى الآن الطرح المسبق لهذه الفئة، كمعطى له شكل وسعة واقعة اجتماعية يمكن تحديد موقعها من الوقائع الاجتماعية الأخرى، المتأثرة بها والمؤثرة فيها.  ٌ

    أعتقد أن ما قاله عبد الله ساعف منذ مدة طويلة،ما زال  من الناحية المبدئية على الأقل،يتمتع بمصداقية سوسيولوجية لا شك فيها،ولا يعني هذا الإقرار أن هذا الفاعل الاجتماعي الذي يسمى بالمثقف لا وجود له في المجتمع المغربي ، بل يعني بالذات أن وضعه السوسيولوجي والرمزي غير وضع نظيره الأوروبي، سواء كان ذلك في سياق ثقافي ليبرالي أو اشتراكي . ومما لاشك فيه أن نضج الحقل السياسي في هذا النوع من المجتمعات المتقدمة  هو ما ساهم من الناحية الموضوعية، في توضيح وإضاءة الوضع الاعتباري للمثقف ، وبالتالي في تحديد مهامه ووظائفه المتميزة عن السياسي أو رجل السياسة،وبالتالي تمييزه عن رجل الإدارة ورجل التقنية، مما يساعدنا على التحديد الموضوعي لنسبة علاقته بالتغيير والتقدم الاجتماعي ، ومما يسمح أيضا بالتعيين الدقيق لنسبة رفضه أو معارضته لهذا الأخير.

     نقصد بالمثقف في العادة ذلك الفاعل الاجتماعي الذي ينتج الأفكار ويعمل بعد ذلك على تبليغها ونشرها على نطاق واسع ، بطريقة أو أخري إلى الحقل الاجتماعي ، غير أن هذا التبليغ يشترط أن تكون هذه الأفكار قد بلغت مستوى عاليا من الضبط والتشميل والتمأسس ، يجعل منها تصورا عاما للعالم قادرا على التأثير في الجهاز الرمزي السائد وفي السلوكيات الاجتماعية الجارية . كما يفترض أن هذه المهام والوظائف اللصيقة بهوية المثقف، جزء جوهري من كينونته الاجتماعية. غير أن هذه الصفة تصدق أيضا على كل فاعل اجتماعي يمتلك ثقافة ما وينخرط عبرها في النسيج الاجتماعي لمجتمعه ، ومن خلالها بالذات، ينتمي موضوعيا إلى الحقل الإيديولوجي القائم .وبهذه الصفة ، تصدق صفة النخبة المثقفة على قطاع واسع من مروجي الأفكار داخل الحقل الاجتماعي، وعلى شرائح واسعة من الفاعلين الاجتماعيين، حتى حين تكون هذه الشرائح بعيدة جزئيا أو كليا عن الحقل الثقافي الهيكلي أو عن الفعل الثقافي الضيق . انه كل من يشارك في تخصيب الحقل الرمزي للمجتمع،معبرا ومساهما في تحديد مجرى واتجاه التغيير الاجتماعي بطريقة أو أخرى ، معارضا أومحافظا، مترددا أو رافضا  ، أو مخططا له أو حالما بإمكانية انجازه التاريخي.

    ذلك بالضبط  هو الأساس الفلسفي والمنهجي للتصنيف السوسيولوجي الذي نعتمده  هنا في معيرة الوجود الاجتماعي للنخبة المثقفة المغربية ، وفي تمييزها الموضوعي عن غيرها من النخب.

        أما مفهوم التغيير الاجتماعي فلا يعني بالضرورة،تلك المنعطفات التاريخية القوية التي يمكن أن تعيشها مجتمعات محددة، رغم أنه عامل جوهري قوي في كيفية تحققها على أرض الواقع.وهذا واضح لأن كل الثورات في نهاية الأمر، ليست سوى المرحلة القصوى لصيرورة تاريخية تلونت بألوان محددة من التغيير الاجتماعي.

    يكون التغيير الاجتماعي قابلا للملاحظة والرصد، في كل الحقول الاجتماعية التي يتجسد ويتشخصن بداخلها الفعل الاجتماعي متلونا بهويته المتميزة. إن التغيير قابل للمعاينة في مجال الأخلاق والقيم والمعتقدات، والسلوكيات الاجتماعية المختلفة الجارية والسائدة بين مختلف الشرائح الاجتماعية، في علاقتها بذاتها وعلاقتها بالمؤسسات القائمة.

 

—-

 – A titre d’exemple, la revue TELQUEL ? Dossier/Grande enquête, Le silence des intellectuels ,10/ 16 Octobre 2009, n° 393

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.