الرئيسية | سرديات | إفطار: ألف قصة وقصة عن مغرب لا ينتهي | حنان الدرقاوي

إفطار: ألف قصة وقصة عن مغرب لا ينتهي | حنان الدرقاوي

حنان  الدرقاوي

 

 رمضان 1990

حول المائدة القصيرة ذات القوائم الأربعة واللوح القصديري جلست عائلة “ع” وزوجته الشابة. ثلاث عشر روحا انتظرت ليوم صيام كامل لحظة الإفطار. كانوا يتضورون جوعا وعطئشا. استقروا حول المائدة . وضعت فاطمة الأم إناءا فيه حساء . سألها “ع”

– حريرة بالحمص؟

– لا حسوة شعير

خاب انتظاره فهو كان يأمل في حريرة بحريرة بحمص وأرز وصلصة طماطم. حريرة حقيقية يعضد بها جسمه الذي وهن في يوم صيام في عز الحر. قالت أمه أن مستلزمات الحريرة من حمص وطماطم مصبرة قد نفذت وأنه يلزم الإكتفاء بحسوة الشعير. لم تكن هناك شباكية أيضا. اشترى “ع” كيلو من الشباكية في بداية رمضان لكنها نفذت بسرعة. كل شيء في هاته البراكة ينفذ بسرعة، ثلاثة عشر روحا، كيف يمكن إعالة الجميع، أن يأكلوا ويلبسوا. لم يكن ذلك ممكنا لأن “ع” لايجد عملا ومدخول أبيه من مصنع الإسمنت غير كاف. في البيت ست بنات وأربع ذكور والأبوان وأبن العم المقيم في انتظار أن يجد سكنا. البنات لا يشتغلن، يقعدن في البيت باستثناء واحدة لاتزال في طور الدراسة. ست بنات يجب توفير الأكل لهن، توفير اللباس في انتظار زوج يجود به القدر وينقذهن من الجوع. تقدم إلى إحداهن شاب ميكانيكي لكن أمه رفضت الإرتباط بعائلة من دوار العسكر أسوء مكان في تمارة. لا أحد يريد الإرتباط بالفقراء إلا زوجة “ع” التي أحبته وتبعته إلى مسكن لايتوفران فيه على غرفة ولاسرير. ينامان في إحدى الغرف وسط الآخرين وليلا تلتحق به في فراشه، يضمها قليلا ويحتك بها بصمت كي لايستيقظ الآخرون. في البراكة غرفتان : غرفة للمعيشة والنوم وغرفة تشبه صالة للضيوف تغلقها فاطمة بإمعان في انتظار أن يزورهم أحد ما.

حول المائدة كانوا يتناولون حساء الشعير المدقوق ويتمنون لو كانت هناك زيت بلدية لكان ألذ. كان “ع” يفكر فيما تبقى من رمضان وكيف يمكن توفير الأكل، بعض الشباكية وربما بيض وأية قطعة لحم للعشاء أو بعض الزبدة والعسل للسحور. يفكر في ذلك ويفكر في فوائد رمضان الروحية، الإحساس بالجوع. مالفرق بين رمضان والأيام الأخرى وهو دائما جائع. كان من المفروض أن يقرر رمضان للأغنياء فقط هم المعنيون بالأمور الروحية. خاف أن يكفر فاستغفر ربه مرات.

منذ شهر لايجد عملا. يقف في موقف البنائين وينتظر أن ياتي مشغل ما. لا أحد يختاره للعمل. يعود إلى البيت خالي الوفاض ويكمل نهار الصيام وهو يتخيل مائدة حقيقية عليها أكل رمضان الحقيقي، الأكل الذي يأكله الناس هناك في حي مسرور أو في فيلات الشاطئ.

التفت إلى أبيه وسأله كم تبقى عنده من المال. أجابه الأب أن لديه مائة درهم هي كل ماتبقى من أجره. سأل أمه وقالت أنها صرفت كل ماكان بحوزتها وهي لن تؤمن عشاءا ولا سحورا لتلك الليلة. المائة درهم التي بحوزة الأب ستشتري بها الشعير المدقوق للحساء. يعني صيام يوم لاهب على حساء الشعير. تسائلت زوجة “ع”

– ماذا سنأكل إذن؟ تردد “ع” قبل أن يجيبها. كان يحبها ويتأسف أنها تعيش الضنك معه. عرف أن رمضان يهين الفقراء. لم يكن يريد أن يكذب عليها، أن يمنيها بأمان لن تتحقق رد عليها بعد تفكير

– سنأكل الخراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.