الرئيسية | مدنيون.. وبعد | تداعيات الامتحان الجهوي وسؤال الإلحاد | عز الدين بوركة

تداعيات الامتحان الجهوي وسؤال الإلحاد | عز الدين بوركة

عزالدين بوركة

 

يتعلق الأمر هنا بالصخب الذي أثاره موضوع سؤال الامتحان الجهوي لسنة أولى باكلوريا في مادة التربية الإسلامية، في دورته العادية، فلم يقتصر السؤال المطروح على جهة بعينها بل عمّ جل جهات المملكة.. مما خلق استفسارات عدة حول أمر هذا الإجماع في طرح هذا السؤال، وإن بأشكال مختلفة من جهة إلى أخرى، وذلك على خلفية الفترة الزمنية التي جاء فيها الامتحان الجهوي “الموحد”.

فبعد الاستياء الذي عبّر عنه أساتذة الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، على خلفية الدعوة إلى فحص أحد مقررات، السنة الأولى باكالوريا للتعليم الثانوي التأهيلي”. كما جاء في أحد التعاريف: “الفلسفة أسُّ السّفَة والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان”. هذا التعريف ما هو إلا مقتطف من تعريفات خصها واضعو مقرر التربية الإسلامية، في هجوم واضح أثار حفيظة مدرسي مادة الفلسفة… وقد جاء على خلفية هذا الاحتجاج الذي أثارته الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، خرجة إعلامية لوزير التعليم المغربي محمد حصاد عبّر فيها بالقول “كتب التربية الإسلامية في المستويات التعليمية تضم 29 كتابا، ضمنها كتاب فيه ثلاثة أسطر اعتبرت مسيئة للفلسفة”. وإن لم يعتبر الأمر يحمل إساءة للفلسفة بحكم عدم تخصصه إلا أنه اعتبره عنفا تجاه هذه المادة التعليمية، داعيا في معرض حديثه إلى مراجعة المقرر المتعلق بالأمر.

فالأمر هنا يتعلق لأول مرة في تاريخ التدريس بالمغرب يُشهد على هجوم مادة تعليمية على مادة أخرى في النظام التربوي المغربي.. هذه السابقة خلقت الجدال الواسع داخل الحقل التعليمي وخارجه.

يحيلنا الأمر في هذا الصدد، إلى ما قاله الدكتور إدريس الكنوبوري (باحث في قضايا التطرف)، الذي استضافه برنامج مباشرة معكم على القناة الثانية المغربية، وذلك يوم الأربعاء 17 ماي المنصرم، إذ جعل مادة الفلسفة ندا لمادة التربية الإسلامية، (للإطلاع على الموضوع) وأن هذه الأخيرة قد “انتصرت” على الأولى مستشهدا لذلك بما سماه “ميول التلاميذ إلى التربية الإسلامية عوض الفلسفة”. في هذه المقاربة غير قائمة على أي أساس وخلفية بحثية ونظرية، استطاع هذا الباحث أن يجزم بأن “الغلبة” للتربية الإسلامية، كأننا داخل حلبة مصارعة لا داخل “مؤسسات تعليمية” الغاية منها توجيه التلاميذ وتكوينهم علميا، غاية في التحصيل القدر الكافي من المعلومات وأسس التحليل لولوج الجامعات وغريها من المعاهد العليا.. وقد تناسى الدكتور الكنبوري أن التلاميذ الذين يتحدث عنهم، لا يدرسون الفلسفة إلا في السنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي، مغيّبا أنه قد سبق لهم وتشبعوا بخطابات أساتذة التربية الإسلامية، إن لم تكن تمس الفلسفة بالهجوم منذ السنوات التعليم الابتدائي. كل هذا يجعل من مقاربته عارية عن الاستقامة.

فعودة على البدء، فيما يختص السؤال “الموحد” في الامتحان الجهوي لمادة التربية الإسلامية، فقد تم طرحه بُعَيْد جل التداعيات التي سبق وذكرناها أعلاه، مما يترك أسئلة عدة مطروحة بلا جواب بخصوص الفترة التي تم جاء فيها.. أهمها هل هو “تصديق” بكون أن أمر الإلحاد قد بات متفشيا بين التلاميذ والطلبة، وخصوصا داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعية، بعدما تم تجاهل الأمر لسنوات عدة.

فقد جاء هذا السؤال /الأسئلة تبعا لدرس “الإيمان والفلسفة” لسنة الأولى باكالوريا، ولم تنبعث الضجة على خلفية طرح السؤال، بل من كونه كان “موحدا” بين جل الجهات داخل المغرب، في سابقة من نوعها منذ إحداث الامتحانات الجهوية، ما طرح مجموعة من التساؤلات بين صفوف مجموعة كبيرة من المتتبعين للشأن التعليمي والثقافي بالمغرب.

وفي باب آخر فقد جاء في الفصل الثالث من مادة الدستور المغربي، الذي صوت عليه المغاربة بما يقارب الإجماع يوم 1 يونيو 2011، “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.” في هذه المادة بعدما نص المشرع على أن الإسلام دين الدولة، فقد نص أيضا على حرية ممارسة الشؤون الدينية لغير المسلم، فيكون الفصل الوحيد المتعلق بحرية المعتقد قد اقتصر على الإسلام والممارسة الدينية، ملغيا بذلك كل الأشكال الأخرى من الاعتقاد تجاه الدين، مما يعني أن واضعي مقررات التربية الإسلامية وواضعي السؤال “الموحد” المشار إليه، قد انطلقوا من كون أن “الإلحاد” ليس دينا ويحق لهم مواجهته والتساؤل عن كيفية مجابهة “الأصدقاء الافتراضيين” على شبكة التواصل الاجتماعي، كما جاء في ورقة امتحان إحدى الجهات. فإن كان الفصل الدستوري لم ينص على أي معتقد غير ديني، فقد كان لمدرسي التربية الإسلامية الشرعية في طرح الأسئلة المتعلقة بالموضوع، فهي تارة تدعو إلى شرح المصطلح والإجابة عن كيفية دحض ما سموه ب”أوهام الملحدين” والاستشهاد بآيات قرآنية حول الموضوع… جاعلين ثلث الامتحان، إن لم يكن جله، مقتصرا حوله وعنه. وأشد الأمور حدة كون أن إحدى تلك الامتحانات احتوت على سؤال “يطلب من التلاميذ إبداء موقفه من محاور يدعو إلى أن الإسلام لا يساير العصر”، فكيف يعقل أن يتم تقييم تلميذ انطلاقا من مواقفه الإيمانية تجاه معتقد ما؟

ففي الحين الذي تدعوا جهات داخلية وخارجية إلى احترام حقوق المعتقد بما تكفله المواثيق الدولية وحقوق الإنسان لذلك، وما يتجه إلية المغرب من إصلاحات طفيفة في ذات السياق، أتى هذا الموضوع ليعرب عن قـلق في نفوس مدرسي التربية الإسلامية، بدل أن يتم العمل على تربية دينية ترعى تقبل الآخر والدعوة إلى التعريف بالخصال الحميدة للدين الإسلامي في محاولة لبناء جيل واع بشرطه الوجودي المتعلق بتقبل المخالف والمغاير، كما تنص على ذلك جل المواثيق الدولية وحقوق بما فيها ما وقعه المغرب لضمان حقوق المعتقد.

ومن جهة أخرى، قد يتراءى لنا من زاوية أخرى أن موضوع أسئلة الامتحان الجهوي التربية الإسلامية ليس بالأمر السلبي لأنه قد يدفع التلاميذ للوعي بأن المغرب بلد متعدد ويمكن أن يكون لمواطنيه معتقدات مختلفة عن “السائد”.. ولكن الخطورة تكمن –كما جاء على لسان أحد المتتبعين- “في صياغة النص الذي يشيطن هؤلاء المواطنين المختلفين عن العامة، والإشكال يكمل في الأسئلة التي تدفع هؤلاء التلاميذ لاتخاذ موقف مضاد لهاته الفئة من المغاربة غير المؤمنة.. بحيث يخضعون لمنطق “الجواب الصحيح” و”الجواب الخطأ” ويصبح مصير كل من يجيب دفاعا عن حربة المعتقد ولو من منظور ديني راسبا في الامتحان وكل من يجيب دفاعا عن القيم المجتمعية المحافظة السائدة ناجحا فيه”.

فإن كانت جهات عدة تدعو إلى إلغاء مادّة التربية الإسلامية هذه وتعويضها بعلم الأديان المقارن، فأخرى ترى في هذا الامتحان شكلا من أشكال التأدلج الغاية من زراعة التفرقة والكراهية في صفوف “جيل الغد”.Haut du formulaire

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*