الرئيسية | مدنيون.. وبعد | بيان البيان: ضد بيان المثقفين | عزالدين بوركة

بيان البيان: ضد بيان المثقفين | عزالدين بوركة

 عزالدين بوركة

(لامنتمي)

 

كنت أسأل نفسي دائما هل ما زال مفهوم المثقف العضوي سائدا لحد اليوم؟ في زمن المثقف اللامنتمي… وأليس اللاانتماء هو الذي قتل دور المثقف وأخرجه من جلباب النضال من أجل المظلومين… لكن الانتماء إلى من؟ هذا هو السؤال الذي أربكني دائما… كنت وما زلت أقول الانتماء إلى المظلومين وهمومهم وواقعهم.. الانتماء إلى مشاكلهم، أي الانتماء إلى الصوت الخافت الذي يخرج من أعماقهم، صوت القهر والبؤس.. على المثقف أن يكون دائما مع المظلوم ومزعجا للسلطة، هكذا تم تربيتنا نحن الذين ننتمي إلى الخبز اليابس والشاي وقررنا الخروج إلى الشارع وإسماع أصواتنا وحمل ظهورنا على احتمال العصي..

المثقف هو موقف وليس مهنة (سارتر).

هذه أولى أبجديات التي تلقينا ونحن نخطو الخطو نحو مسار اخترناه بحب.

حينما وقعنا ما سُمي ببيان المثقفين وقعناه عن عزم وفرح وأيدينا ترتعش سرورا وهي تضغط الأزرار لتوقيعه، لم يهمنا أن نتفق مع جملة ما جاء بقدر أن نتفق على كلمة واحدة نختلف في جزئياتها لكن نتوحد في كمالياتها.. بل لم نهتم لترتيب اسم على اسم ومن وقع ولم يوقع.. وقعنا النص وفقط.. وكان أن تفاعلت شخصيا معه وكتبت على خطاه مقالا ما زال على منضدة المكتب ينتظر النشر أتحدث فيه عن نوعية الفنانين التشكيليين والممثلين ومن ولاهم الذين لا يملكون ناصية القول المستقل والتعبير عن الرأي تجاه القضايا الوطنية، غير ممتلكين لأي معرفة توجههم، ولاهثين من أجل دعم منشود من جهات محسوبة عن هنا وهناك. مخلصا أن العيب ليس فيهم فحسب بل في المنظومة، وجاعلا من بعض الكتاب والمثقفين خارج سرب اللهث والجري وراء المصالح.

لا يهم ! المقال لم ينشر، وقد ينشر… لا يهم…

خرجت مجموعة من التغطيات التي أرسلها المكلفون بإرسال البيان للصحافة الوطنية والعربية والدولية، غاية في نشر الخبر وإظهار أن المثقف المغربي مازال حيا يرزق وأن له رأيه فيما يقع في “البلاد والعباد”، خرجت التغطيات وخرجت معها الزلات والويلات، وليتها ما خرجت.. ففي الحين الذي كان فيه المرجو والمنتظر نشر البيان كما وقعناه دونما أسماء أو مصحوبا بكل الأسماء ، إذ نتفاجأ بكون مجموعة من الجرائد والمواقع الالكترونية تقف على حال نص واحد (ويا عجباه !) يقدم أسماء كرموز للموقعين (بحجة أبرزهم أو أهمهم أو على رأسهم) ويهمش الكل، ويقدم أسماء وقعت في الدقائق الأخيرة بعدما كثرت الأسماء، وقعت استنادا لشيء في نفس يعقوب، أو لنقوله بالصريح استنادا (ل”إن عمت هانت”) فلا أحد سيحاكمهم وسط الجوقة، وليس في الأمر عيب رغم ذلك، لكن أن نجدها راكبة على ظهور الركب (العميان).

عمدت جريدة مرموقة على وضع صورة عبد اللطيف اللعبي (الذي نكن له كل الاحترام) كصورة بارزة للخبر على موقعها، قد يسأل سائل وما العيب في ذلك؟ العيب كل العيب في جعل شخص مهما كان مقدما على رأس موقعين يتقاسمون نفس الهم، غير آبهين بالأولوية أو الأهمية أو الصفة… فقد وقع مفكرون ومخرجون وكتاب وإعلاميون وشعراء وطلبة ورسامو كاريكاتير وغيرهم بدون أن يتقدم أحدهم ويدعي أن له حق الأولوية أو يتنازع قصب السبق، ولم نعارض ترتيب الأسماء بل لم نهتم لهذه الشكليات “الخاوية”، كان الهم هو التضامن والتوقيع.

فبين الليلة والضحى وبين التوقيع والنشر برزت أمور لا أريد أن أسميها بالألفاظ (الغليظة) مثل الانتهازية وغيرها… إلا أننا دخلنا مع هذا البيان الذي كنا نستشفي منه خيرا إلى مستنقع (كريه الرائحة) يصعب الهروب من ويلاته..

كتب الأصدقاء البيان أول ما كتبوه مشكورين وإن اقترفوا خطأ فادحا في ذكر البعض دونما الكل أمام العامة ولم نعر الأمر انتباها، قلنا تحفيزا لا غير، لكن هل كان للأمر نوايا مبيتة؟ فلهذا كلام آخر..

أظهر الأمر أنه لا فرق بين مثقف وحزبوي كلهم في سلة واحدة… فالثاني إن يتبع أهواء ومصالح الزعيم ورؤساء الحزب وكلامه الذي لا يستطيع الخروج عنه، فالمثقف لا يستطيع الثورة على الرمز بل إنه، وكم لم أرد قول هذا، انتهازي يلعب لعبة الضرب من الخلف إذ يعمد إلى استغلال الأحداث للبروز فقط، كما فعل أحد أصدقائنا الإعلاميين ( لا داعي لذكر اسمه ) الذي ظل رهين سُكاته وسباته وصمته المكشوف، ووقع في اللحظات الأخيرة بعد أن أخذ موافقة أصحاب الحال، حتى يركب على البيان هو من تبعه ثم أصبح من أعلام الموقعين.

لسنا حزبويون ولا ينبغي لنا، إلا أننا اليوم صرنا نستعر من لفظ مثقف لما بات يربط به من لفظ “الانتهازية”.

يقول المثل الدارج “إن كنت في المغرب فلا تستغرب”، بل “إن كنت في بلاد العرب فلا تستغرب”، هذا هو حال المثقفين الذين بفعل ما حدث على خلفية هذا البيان اتضح لي وضوح الشمس في نهار جميل لماذا هم مهمشون شعبيا وغير مرغوب فيهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*